ما قل ودل

الجزائر ورؤية متجددة للسلم في “اليوم العالمي للعيش معًا في سلام”

شارك المقال

يصادف 16 ماي من كل عام “اليوم العالمي للعيش معًا في سلام”، الذي أقرته الأمم المتحدة سنة 2017 بمبادرة جزائرية. يأتي هذا اليوم في سياق عالمي يعّج بالصراعات والتوترات، مما يطرح سؤالًا جوهريًا حول معنى السلم وأهمية ترسيخه كقيمة إنسانية وثقافية، لا مجرد هدف سياسي.

في هذا الإطار، أجرى موقع الصحفي  حوارًا مع البروفيسور شيخ بوشيخي، المتخصص في الفكر السياسي والحوار الحضاري، ليقدم رؤية عميقة عن دلالات هذا اليوم والدور الجزائري في صياغة سردية سلم جديدة.

يستذكر البروفيسور بوشيخي مشاركته في المؤتمر العالمي للسلم والتضامن، الذي احتضنته الجزائر في جويلية 2002 بقصر الأمم، حيث جمع المؤتمر نحو ألف مندوب من 80 دولة وخلفيات دينية وثقافية متعددة.

هذا الحدث لم يكن مجرد لقاء، بل منصة للنقاش المعمق حول قضايا السلم وبناء دولة القانون والعدالة الاجتماعية، مؤكدًا أن الرؤية الجزائرية للسلم تتجاوز الخطابات، وتتجذر في تجربة تاريخية من مقاومة الاستعمار والدفاع عن الكرامة دون الانزلاق في منطق الهيمنة.

ويرى البروفيسور أن “اليوم العالمي للعيش معًا في سلام” يعبر عن مسار إنساني طويل للبحث عن نماذج تعايش تتجاوز الصدامات الهوياتية، حيث لا يمثل السلم مجرد هدف سياسي، بل قيمة إنسانية تترسخ في نبذ العنف والتزام التعددية والاحترام المتبادل, كما يعد تعبيرًا أخلاقيًا يعكس الإحباط من قصور المؤسسات الدولية في تحقيق العدالة الكونية.

يضيف بوشيخي أن الدافع الجزائري وراء اقتراح هذا اليوم ينبع من تاريخ نضالي يمتد إلى مقاومة الظلم والاستعمار، حيث تؤكد الجزائر، التي لم تكن دولة معتدية، على مبدأ الحوار كأداة لحل النزاعات، وتجسد ذلك في دعمها لحركات التحرر العالمية وعضويتها الفاعلة في حركة عدم الانحياز، مما أكسبها لقب “مكة الثوار”.

وفي عالم يتسم بالتصدع وتزايد النزاعات، يرى بوشيخي أن السلم لا يزال ضرورة حتمية، فهو شرط لبناء المعنى في العلاقات الدولية، رغم العوائق البنيوية التي تعاني منها المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة، التي تظل مع ذلك نتيجة محاولات عقلانية لتجاوز منطق الحرب الدائمة.

ختامًا، يؤكد البروفيسور شيخ بوشيخي أن السلم يجب أن يُنظر إليه كقيمة تأسيسية لا خيارًا ظرفيًا، فهو ثمرة وعي سياسي وتاريخي عميق يستدعي الاستعداد الدائم لحمايته، مستشهدًا بقول الله تعالى: “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة”، معبرًا عن ضرورة بناء سردية إنسانية جديدة تؤمن بأن العيش المشترك هو الأصل، وليس الاستثناء.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram