ما قل ودل

عالم رياضيات فرنسي اغتالته آلة الاستعمار…موريس أودان دفع حياته فاتورة حبه للجزائر

شارك المقال

اخترنا لكم قرّاءنا الكرام في بداية سلسلة “باعوا فرنسيتهم ليشتروا جزائريتهم” التأريخ لحياة المجاهد الجزائري ذو الأصول الفرنسية عالم الرياضيات “موريس أودان” كأول بطل لهذه السلسلة, فالرجل حقا دفع حياته من أجل أن تعيش الجزائر حرة مستقلة, فهو من القلائل الذين قالوا لا للهمجية الاستعمارية التي ما فتئ يتنّصل منها المسؤولون الفرنسيون الحاليون الذين لا يزالون يصّرون على تبرئة أسلافهم المجرمين الذين عاثوا في أرض الجزائر الطاهرة فسادا.

وُلد موريس أودان يوم 14 فبراير 1932 بمدينة باجة التونسية، لعائلة فرنسية متواضعة، حيث كان والده يعمل دركيًا. تنقل في طفولته بين عدة مدن منها عين دراهم التونسية وبايون الفرنسية، ثم استقر مع عائلته جنوب غرب العاصمة الجزائرية نهاية عام 1940، هربًا من تداعيات الحرب العالمية الثانية.

أظهر موريس نبوغًا مبكرًا، رغم الظروف الصحية الصعبة، فقد عانى من التهاب السحايا خلال إقامته في المدرسة العسكرية التحضيرية بـحمام ريغة سنة 1943، قبل أن يكمل دراسته في أوتون ثم في Lycée Gauthier بالعاصمة الجزائرية.

موريس أودان رفقة إبنه بيير صغيرا

عالم رياضيات… نبض قلبه للقضايا العادلة

في عام 1949، التحق موريس بجامعة الجزائر ليدرس الرياضيات، وتخرج عام 1953، وبدأ العمل كمساعد للعالم رينيه دي بوسيل أثناء تحضيره لأطروحته. في نفس العام، تزوج من جوزيت سيمبي، ورُزق بثلاثة أطفال: ميشيل، لويس وبيير.

لكن حياة موريس لم تكن موجهة للعلم فقط، بل كان قلبه ينبض بالقضايا العادلة. منذ عام 1951، انخرط في الحزب الشيوعي الجزائري، المناهض للاستعمار الفرنسي، وساهم في نشر الصحافة الشيوعية وتقديم الدعم اللوجستي للمناضلين الجزائريين.

بول أوساريس رجل الاستعلامات المتهم بتصفية أودان

الاختطاف والاختفاء…11 جوان 1957

تحولت حياة موريس أودان في لحظة. ففي 11 جوان 1957، داهمت قوات الجيش الفرنسي منزله واعتقلته، بتهمة إيواء أحد قادة الحزب الشيوعي، بول كاباليرو. بعد عشرة أيام، في 21 جوان، أعلنت السلطات الفرنسية هروبه أثناء عملية نقله… لكن الحقيقة كانت غير ذلك.

الأقلام الفرنسية الحرة طالبت بكشف الحقيقة

الحقيقة المدفونة… والتعذيب حتى الموت

في واقع الأمر، اختفى أودان في ظروف غامضة، لكن التحقيقات التي تلت، أبرزها ما كشفه المؤرخ بيير فيدال ناكيه في كتابه “قضية أودان”, أثبتت أن الهروب كان مستحيلًا، وأن موريس قُتل أثناء جلسة تعذيب على يد ضباط فرنسيين تابعين للجنرال جاك ماسو.

وقد أشارت شهادات متعددة إلى أن بول أوساريس، أحد أبرز ضباط الاستخبارات العسكرية الفرنسية، كان من المشرفين على تصفيته، ودفنه سرًا إما في منطقة بين القليعة وزرالدة، أو قرب سيدي موسى.

فرحة الراحل بيير نجل موريس أودان بتسلمه جواز سفر جزائري

جريمة دولة…ما وراء الاغتيال

تمثل جريمة اغتيال موريس أودان نموذجًا صارخًا لما يُعرف بـ”الجرائم السياسية المغطاة“. فقد تم تنفيذ العملية ضمن إطار عسكري منظّم خلال ما عُرف بـ”معركة الجزائر”، وهي الفترة التي حصل فيها الجيش الفرنسي على تفويض غير محدود من السلطة المدنية، برئاسة غي مولي، لقمع الثورة الجزائرية.

في 7 جانفي 1957، منح روبير لاكوست، الحاكم العام للجزائر، الصلاحيات الكاملة للجيش، مما مكّن الجنرال ماسو من تشكيل قيادة مزدوجة واحدة رسمية وأخرى سرية، تتكون من أوساريس المكلف بـالتصفية وروجي ترانكيي المكلف بـ”الاستعلامات”، حيث أُجيز لهما تنفيذ الاعتقالات، الاستجوابات، بل وحتى الاغتيالات دون محاكمة.

الصحافة تكشف المستور

الصحفي الفرنسي جون شارل دونيو، قضى سنوات من حياته في محاولة كشف ملابسات القضية. وقد توصل إلى أن اغتيال موريس أودان تم بأوامر مباشرة من الجنرال ماسو، وبتغطية من السلطة السياسية الفرنسية.

في شهادته المؤثرة، قال دونيو:
“كنت أريد فقط أن أعرف ماذا حدث لموريس أودان يوم 21 جوان 1957… وحده أوساريس يعرف كل الحقيقة، ولكن الجميع كان يعلم، من أعلى الهرم السياسي إلى أدنى الرتب العسكرية.”

تمثال لموريس أودان عرفانا لما قدمه في سبيل استقلال الجزائر

إرث أودان… وقضية لم تُغلق

تحول موريس أودان إلى رمز للنضال من أجل الحقيقة والعدالة. شكّلت قضيته حرجًا بالغًا للدولة الفرنسية، وأدت إلى تشكيل لجان تحقيق ونقاشات سياسية وأكاديمية طويلة.

وفي سبتمبر 2018، وبعد أكثر من 60 عامًا من الصمت، اعترف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رسميًا بأن الدولة الفرنسية مسؤولة عن مقتل موريس أودان، وأنه كان ضحية “نظام تعذيب أُسس بإذن من الدولة”.

فرغم سنوات من القتل الجبان لصديق الثورة الجزائرية موريس أودان الذي لم يكن مجرد عالم رياضيات فحسب لا يزال يعيش في قلوب كل الجزائريين كرمز للوفاء و لحب وطنه الجزائر فلقد كان بحق إنسانًا التزم بمبادئه حتى النهاية، ودفع حياته ثمنًا لموقفه السياسي المناهض للاستعمار. وما تزال قضيته تُذّكر العالم بفظائع التعذيب والاغتيالات التي مورست في الخفاء، وتُطالب الأجيال الجديدة بكشف الحقيقة مهما طال الزمن.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram