ما قل ودل

التغطية التحليلية للملتقى الوطني “محرقة أولاد رياح”…مأساة ذاكرة تُستعاد من تحت الرماد

شارك المقال

في مشهد يجمع بين الوجع التاريخي والإصرار العلمي، احتضنت جامعة مستغانم فعاليات الملتقى الوطني الذي نظمه مخبر الدراسات الاتصالية والإعلامية الذي يديره الأستاذ العربي بوعمامة . تحت عنوان: “التمثلات التاريخية والرمزية لمحرقة أولاد رياح في الذاكرة الجماعية الجزائرية”.

 

و الذي خُصص لإحياء واحدة من أبشع الجرائم التي اقترفها الاستعمار الفرنسي في الجزائر، والتي كانت لسنوات طويلة طيّ النسيان أو في هامش الكتابة الرسمية. وجاء هذا الملتقى إحياءً للذاكرة الوطنية من جهة، وتكريمًا مستحقًا للباحث الراحل مصطفى عبد الرحمن، الذي كان من بين الأوائل الذين سعوا إلى تفكيك هذه الصفحة السوداء سينيمائيا وتوثيقيًا.


محرقة أولاد رياح… عندما تحوّل التاريخ إلى ملف حقوقي

ليست محرقة أولاد رياح مجرد حدث دموي في ذاكرة المقاومة الجزائرية، بل هي نموذج لسياسة الإبادة الجماعية المنظمة التي انتهجها الاستعمار الفرنسي تجاه السكان المحليين الذين رفضوا الخضوع، وحملوا مشعل المقاومة مبكرًا. إن الإغلاق المتعمد للكهف على مئات النساء والأطفال، وتركهم للموت خنقًا بالنار والدخان، لا يدخل فقط في إطار “جريمة حرب”، بل يرتقي إلى مستوى “جريمة ضد الإنسانية” بمفهوم القانون الدولي الحالي.

وقد أبرز المشاركون في الملتقى، من أساتذة وباحثين، هذه الأبعاد القانونية والسياسية للحدث. وأجمعوا على أن التعامل مع مثل هذه المجازر يجب ألا يبقى حبيس الأسف الأكاديمي أو التوثيق الصامت، بل يجب أن يُربط مباشرة بحق الجزائر في مطالبة فرنسا بالاعتراف الرسمي، والاعتذار، والتعويض الرمزي والمعنوي.

 


الجلسات العلمية…تشريح معرفي لذاكرة جماعية

ترأس الأستاذ بومدين بوزيد الجلسة العلمية الأولى، وقدّم مداخلة تأسيسية تناول فيها الذاكرة الجماعية كأداة مقاومة فكرية وثقافية، وكمكون أساسي للهوية الوطنية في مواجهة محاولات الطمس والتشويه. واعتبر أن إعادة إحياء هذه الذاكرات المنسية مسؤولية أخلاقية للجامعة الجزائرية، وأن استعادة الحقيقة التاريخية ليست هدفًا في ذاتها فقط، بل وسيلة لإعادة تصحيح التوازن بين الماضي والحاضر.

أما الأستاذ بن مزيان بشرقي فقد ركز في مداخلته على البُعد الأشمل، متناولًا الإبادات الجماعية في الجزائر الاستعمارية، ومحللًا كيف تحولت “الإبادة” إلى استراتيجية موجهة، هدفها تقويض البنية السكانية للمجتمعات المقاومة. وربط هذه المجازر، ومنها محرقة أولاد رياح، بـ الأنظمة المقارنة في العالم التي عاشت استعمارًا شبيهًا، مطالبًا بتفعيل هذه المقارنات أمام الهيئات الدولية الحقوقية.

 


الملتقى كاستراتيجية لإعادة الاعتبار

من زاوية استراتيجية، يشكّل هذا الملتقى مفترقًا مهمًا بين البحث الأكاديمي والدبلوماسية التاريخية. فحين تنتج الجامعة معرفة موثقة ومؤسسة حول الجرائم الاستعمارية، فإنها بذلك تضع أساسًا يمكن البناء عليه في المسار السياسي للمطالبة بالاعتراف والعدالة التاريخية.
ولعل أهم ما يلفت في هذه المبادرة، هو خروجها من دائرة الكتابة إلى فعل استرجاع الذاكرة في الفضاء العام، وتحويل المحرقة من حدث منسي إلى أداة ضغط رمزية وسياسية، يمكن أن تُدمج في السياسات الثقافية الرسمية، وفي الخطاب الإعلامي والدبلوماسي.

 


السياق الراهن… لماذا الآن؟

يأتي هذا الملتقى في سياق وطني ودولي شديد الحساسية. ففي الداخل، هناك تزايد واضح للاهتمام بالذاكرة الوطنية في ظل المساعي الرسمية لإعادة الاعتبار للمقاومات الشعبية. أما في الخارج، فهناك حراك عالمي يتسارع نحو مساءلة الاستعمار الأوروبي، لا سيما بعد اعترافات دول كفرنسا وبلجيكا بجرائمها في إفريقيا، وتنامي خطاب العدالة الانتقالية والمحاسبة الأخلاقية.
في هذا المناخ، تمثل محرقة أولاد رياح ملفًا صالحًا للدفع به نحو المحافل الدولية، شريطة أن يُصاغ خطاب علمي وحقوقي محكم حولها، وهو ما بدأ يتجلى من خلال هذا الملتقى.

 

 


توصيات تتجاوز الفعل الأكاديمي

خرج الملتقى بعدد من التوصيات الطموحة، أبرزها:

إطلاق مشروع بحث وطني دائم لتوثيق الجرائم الاستعمارية.

تحويل الذكرى إلى يوم وطني رمزي يُحيى رسميًا.

دمج الحدث في البرامج التعليمية والإعلامية.

إعادة نشر كتب الباحث مصطفى عبد الرحمن، وتأسيس جائزة وطنية باسمه.

التحرك بالتنسيق مع المؤرخين والمحامين للدفع بملف المحرقة نحو الاعتراف الدولي.

 


من الذاكرة إلى المسؤولية

ليست التغطية هنا مجرد رصد لأشغال ملتقى علمي، بل شهادة على تحول الذاكرة إلى التزام وطني وأكاديمي. فمحرقة أولاد رياح، كما أظهرتها الجلسات، ليست فقط حدثًا تاريخيًا، بل مرآة لجرح مفتوح يحتاج إلى الاعتراف والعدالة. والمخبر، إذ ينظّم هذا الملتقى سنويًا، فهو لا يحيي الماضي فقط، بل يؤسس لمسار مقاومة فكرية جديدة، قوامها الحقيقة، والوفاء، والانتماء، في زمن يُكتب فيه التاريخ من جديد

 

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram