ما قل ودل

حين تتحوّل الكاميرا إلى أداة لابتزاز الحزن

شارك المقال

في زمن التسابق على “اللايك” و”المشاركة” و”الترند”، انحرفت بعض الأقلام والكاميرات عن رسالتها النبيلة، لتحوّل المآسي الإنسانية إلى مادة استهلاكية مثيرة، بل ومصطنعة أحيانًا.

لم تعد بعض التغطيات الإعلامية تكتفي بنقل الحدث، بل أصبحت توجهه، وتُملي على الضحايا أو ذويهم كيف يُظهرون ألمهم، كأن الحزن الحقيقي لم يعد كافيًا ليُقنع الجمهور.

واقع مؤسف وموجود فعلاً، ويُعد من أشد الانحرافات المهنية والأخلاقية في العمل الصحفي. أن يطلب الصحفي من ذوي الضحايا البكاء أمام الكاميرا أو تمثيل الحزن…انتهاك صارخ لكرامة الإنسان ولميثاق شرف الصحفي، “ابكي شوي قدام الكاميرا”، “قوليلي كنتي تحبي ولدك”، “أعيدي الجملة بصوت فيه تأثر أكثر”…

عبارات بات يسمعها كثير من الأهالي في لحظات الحزن المفجعة، خاصة في حالات الوفاة أو الجرائم، في محاولة من الصحفي لاصطناع مشهد درامي يثير المشاعر، لا الضمائر، هذه الممارسات لا تسيء فقط إلى الصحفي التي يرتكبها، بل تشّوه صورة مهنة كاملة.

الصحفي الحقيقي لا يصنع الدراما، بل ينقل الواقع كما هو، بإحساس صادق، وحرص على احترام مشاعر الآخرين.

أمام كل صحفي يلعب دورا قدرا كهذا، هناك عائلات تعيش مأساة حقيقية، لا تمثيلية. دموعهم ليست مادة إعلامية، وحزنهم ليس مشهدًا للمونتاج.

فكما نرى فإن الميثاق الأخلاقي أصبح يُنتهك وفقًا للمواثيق الصحفية العالمية، على رأسها ميثاق الشرف المهني، فيجب احترام الخصوصية، و الامتناع عن الاستفزاز أو دفع الأفراد لتمثيل مواقفهم، لكن للأسف، الضمير المهني يُغيب أحيانًا في سبيل “السبق الصحفي” أو جذب المشاهدات.

و من منبرنا نقول لأمثال مرتزقة الإعلام هؤلاء أن الصحافة مسؤولية، لا تمثيل. فما يحدث من بعض الإعلاميين في تغطية الفواجع والجرائم هو جزء من صحافة آخر الزمان التي تتاجر بالدمع، وتتغذى على الألم. فلا بد من وقفة حقيقية، من الداخل أولًا، لإعادة الاعتبار للمهنة، وللإنسان….صباحكم سعيد.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram