ما قل ودل

منجم غار جبيلات…مشروع استراتيجي و رهان تنموي وطني بامتياز

شارك المقال

يشكل مشروع استغلال منجم غار جبيلات أحد أبرز المشاريع الاقتصادية الاستراتيجية في الجزائر خلال العقد الأخير، إذ يعكس توجه الدولة نحو تنويع الاقتصاد الوطني، وتقليص الاعتماد على الريع البترولي، من خلال تثمين الموارد المعدنية الهامة المتوفرة في الصحراء الجزائرية. ويأتي هذا المشروع الضخم ليُترجم رؤية تنموية متكاملة تزاوج بين استغلال الثروات الطبيعية وخلق مناصب الشغل وتحقيق التنمية الإقليمية.

الموقع والأهمية الجيو-اقتصادية

يقع منجم غار جبيلات بولاية تندوف، جنوب غرب الجزائر، ويتربع على مساحة تُقدَّر بنحو 40 ألف هكتار، موزعة على ثلاث مناطق رئيسية: الغربية، الوسطى، والشرقية. وتُقدَّر الاحتياطات الجيولوجية من الحديد الخام بما يفوق 3.5 مليار طن، مما يجعل منه أحد أكبر مناجم الحديد غير المستغلة في العالم.

يمثل هذا المنجم مكسباً جيو-اقتصادياً هاماً، لا سيما في ظل الطلب العالمي المتزايد على مادة الحديد. كما يعزز الموقع الحدودي للمنجم من إمكانية ربطه بشبكات النقل الدولية مستقبلاً، ما يسمح للجزائر بلعب دور محوري في سلاسل التوريد العالمية للمواد الأولية.

البنية التحتية والتشغيل

يعتمد المشروع على إنشاء خط منجمي بطول 950 كيلومتراً يربط بين منجم غار جبيلات وولاية بشار، ما يتيح نقل الخامات المستخرجة بفعالية نحو المنشآت الصناعية ومراكز المعالجة. وتشير المعطيات الرسمية إلى أن المشروع وفّر إلى غاية منتصف سنة 2025 نحو 9700 منصب شغل، منها 7200 منصب لفائدة العمال الجزائريين، و2500 منصب لفائدة تقنيين وعمال صينيين يعملون ضمن إطار تعاقدي محدد.

القدرات الإنتاجية وآفاق التصنيع

بلغ حجم الإنتاج الأولي من الحديد الخام حوالي 400 ألف طن موجهة للمعالجة الأولية. ويُعد هذا الإنتاج نواة برنامج طموح لإنشاء ستة مصانع معالجة، بطاقات إنتاجية متصاعدة تشمل مصنعين بطاقة 4 ملايين طن سنوياً، ومصنعين بطاقة 8 و10 ملايين طن، فضلاً عن مصنع رئيسي بطاقة إنتاجية تصل إلى 18 مليون طن سنوياً.

وتعتمد هذه المصانع على تقنيات معالجة حديثة، تراعي التحديات البيئية والخصائص الجغرافية للمنطقة، وعلى رأسها ندرة المياه. ولهذا، تم تبني تكنولوجيا معالجة موفرة للمياه، بالتنسيق مع مؤسسة “فيرال”، المكلّفة حصرياً باستغلال المنجم، بينما تتولى الشركة الصينية الشريكة مسؤولية إنجاز المنشآت الصناعية وفق شروط تعاقدية واضحة.

الأبعاد الاستراتيجية والتنموية

يمثل هذا المشروع أحد أعمدة الاستراتيجية الوطنية لتنويع القاعدة الاقتصادية للبلاد، من خلال استغلال الثروات المعدنية وتحفيز الأنشطة الصناعية المرتبطة بها. كما يهدف المشروع إلى تحقيق تنمية محلية مستدامة في مناطق الجنوب الجزائري، التي ظلت تعاني من التهميش لعقود.

وتؤكد السلطات الولائية أن منجم غار جبيلات تحول إلى ورشة اقتصادية ضخمة تحرك قطاعات متعددة، على غرار البناء، النقل، الطاقة والتكوين المهني، مما يعزز من قدرات الجذب الاستثماري للمنطقة على المديين المتوسط والبعيد.

مشروع استراتيجي لتنويع الاقتصاد الوطني وتقليص البطالة

يمكن القول إن مشروع منجم غار جبيلات ليس مجرد مشروع استغلال معدني، بل هو رهان تنموي وطني بامتياز، يسعى إلى ترسيخ نموذج اقتصادي قائم على تثمين الموارد الطبيعية وتحقيق التنمية الشاملة والمتوازنة. كما يجسد المشروع الإرادة السياسية العليا للجزائر في استثمار إمكانياتها الكامنة واحتلال مكانة فاعلة في الاقتصاد العالمي الجديد المبني على المواد الأولية والصناعة الثقيلة.

المصدر: وأج -بتصرف-

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram