ما قل ودل

الأقلية الدرزية بين الوجود والوظيفة….مقاربة فلسفية وجيوبوليتيكية

شارك المقال

أ.د. بوعرفة عبد القادر / جامعة وهران2

في قلب العواصف التي تعصف بالشرق الأوسط، والتي قد يمتد لهيبها إلى الخليج العربي، وربما إلى دول شمال إفريقيا (ضمن منطق “الأقليات المارقة”)، تبرز الطائفة الدرزية كنموذج وجودي مركب يُجسّد ثنائية البقاء والوظيفة. ليست الأقلية هنا مجرد مكوّن عددي أو جماعة سكانية تسكن رقعة جغرافية، بل حالة وجودية هشّة تعيش على حافة الاندثار، كما يصوّرها إيمانويل ليفيناس في مفهوم “الهشاشة الوجودية”، أو كما تلمّح سيمون دي بوفوار في تحليلاتها لصراع “الآخر” من أجل انتزاع اعتراف وجودي بندّيّته أمام محيط يُقصيه.

ليست هذه الوضعية استثناءً، بل هي بنية ملازمة للدولة المعاصرة  (الماكرو دولة) حين تعجز عن تأسيس فضاء جامع يتجاوز الانتماءات الطائفية والإثنية الضيقة، فتُنتج الهامش كعرض جانبي لانهيار الدولة-الأمة، ويُختزل الوجود الأقلوي بين هوية أصلية مهدّدة ووظيفة قسرية مفروضة من الخارج.

تُظهر التحالفات المتعددة للطائفة الدرزية عبر التاريخ من الدولة العثمانية إلى الاستحمار الفرنسي، وصولًا إلى إسرائيل ميلًا براغماتيًا يُشكّل ما يمكن وصفه بـ”مبدأ المُخالفة”، وقد يكون هذا هو الكوجيتو الجديد الذي يُعبّر عن جوهر معضلتهم الوجودية. تحالفات البقاء، وإن بدت خيارات سياسية على السطح، إلا أنها في العمق استجابات أنطولوجية لإكراهات الفناء والخوف من الانمحاء التاريخي.

في المقابل، تكشف الانقسامات الداخلية داخل الطائفة نفسها — بين من يخدم في الجيش الإسرائيلي ومن يرفض الاحتلال في الجولان، وبين الولاءات المتضاربة في سوريا ولبنان — أن الأقلية ليست وحدة صمّاء، بل فسيفساء من الهويات المتداخلة. هذه الهويات تتحرك ضمن معادلة واحدة، تتمثل في محاولة تثبيت الوجود عبر التحوّل إلى “بارك شوك” يخدم مصلحة القوة الأقوى.

هنا يطفو المأزق الجيوبوليتيكي، فحين تحاول الكيانات المارقة تحويل الأقلية إلى “منطقة عازلة” (Buffer Zone)، مستفيدة من صراعات القوى المتنازعة على السلطة، والشرعية، والوجود. تتحوّل الأقلية حينها إلى مفعول به مزدوج، فلا انتماء واضح لأي طرف، ولا اعتراف فعلي بكيانها الذاتي. وبهذا، تتحوّل من فاعل إلى وظيفة أمنية تخدم البنية المهيمنة، كما تفعل إسرائيل في توظيف الدروز كحاجز ثقافي–عسكري. هذا التحوّل إلى وظيفة، يُنتج “تشيؤًا” وجوديًا، حيث تُسجن الهوية داخل قفص الدور المفروض، تمامًا كما حذّر جان بول سارتر من خطر سجن الذات ضمن هوية مفروضة خارجيًا.

لا يمكن إنكار أن الكيانات المارقة تستعمل الأقليات كـ”كائنات ليفياثانية”، تحرس برؤوسها المتعددة جغرافيا مغتصبة تسكن عوالم الخوف، والرعب.  حيث تؤدي الأقلية وظيفة حدودية وأمنية خالصة، ويُعاد إنتاجها داخل الخطاب السياسي بوصفها “وسيطًا وظيفيًا” أو “عبدًا تاريخيًا”، عبد لا يُسمح له بدخول الملاجئ عند الخطر، بل عليه أن يبقى في العراء.

وهكذا ننتقل من مفهوم الهشاشة الوجودية إلى مفهوم التفاهة الوجودية، لا من باب السخرية، بل من باب تفكيك هذا الاختزال القاسي الذي يُلغي القيمة السياسية للوجود الدرزي، ويحصره في كونه مجرد “بارك شوك” مزدوج الهوّية.

إن الأنموذج الدرزي، إذًا، ليس استثناءً، بل مرآة مصغّرة لوضع الأقليات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. يكشف هذا الوضع عن التناقض المركزي في فلسفة الأقلية، التي تمارس الرهان عبر فلسفة البقاء، و مطالب التميّز، حتى وإن كان الثّمن هو القبول بالسجن الوظيفي.

يبدو الخروج من هذا المأزق يقتضي إعادة تعريف العلاقة مع الذات والآخر، ليس عبر اختزالها إلى حدود فاصلة، بل باعتبارها مساحات حوار تتجاوز الاستعمال الجيوسياسي للأقليات. حين نشبّه الدروز بالـ”بارك شوك” أو “المنطقة العازلة” أو “الحزام الدفاعي”، فنحن نُشير إلى استراتيجية صهيونية تقوم على توظيف جماعات فاصلة لاحتواء التهديدات أو منع الاختراقات المعادية، أو لتأمين مجالات حيوية ضمن منطق الردع والاحتواء.

يتوزع الدروز كما نعلم في ثلاث دول، هي سوريا (جبل العرب)، لبنان (جبل الشوف)، وفلسطين المحتلة (الجليل، الكرمل، الجولان المحتل). يشكّل الدروز في الجولان كتلة سكانية ذات وضع خاص، حيث أغلبهم متمسك بالجنسية السورية، ويرفض الجنسية الإسرائيلية، في حين يخدم الكثير من دروز الداخل ضمن “عقد الولاء” المفروض قانونًا وليس نابعًا عن شعور انتمائي.

تدرك إسرائيل أن الأقليات ليست حزامًا دفاعيًا موثوقًا، لكنها تستثمر فيها ضمن استراتيجية تفكيك الهوية العربية والإسلامية، وتُغريها بالمواطنة (المنقوصة)، والامتيازات الاقتصادية (المشروطة)، والتجنيد العسكري (المنبوذ)، والتأطير الثقافي (الموجه).

تصبح “الحماية العسكرية” هنا ورقة إغراء مركزية، تمامًا كما هي الغارات الجوية المتكررة على سوريا واحدة من أوراق شمشون الإسرائيلي.

إن المعادلة الحاكمة لا تُختزل في خيارات طائفية، بل ترتبط بسياقات سياسية محلية وإقليمية، تجعل الأنموذج الدرزي مرآةً لمصير الأقليات في منطقة تُحوِّل الهويات إلى أدوات خادمة. في هذا المشهد يتجلى ما وصفه هيجل بـ”جدل العبد والسيد”، حيث يكون بقاء العبد مشروطًا بخدمته لسيده، لكنه في لحظة ما قد يقلب المعادلة.

ضمن هذا التشابك، تتصارع ثنائيات وجودية خطيرة، أبرزها ثنائية البقاء مقابل الوظيفة، حيث تُحافظ الأقلية على هويتها عبر عزلة تكتيكية (التّقية المُفعلة). ثم ثنائية الحدود الداخلية مقابل الخارجية، بما تفرضه من ستر للمقدّس ومناورة مع العدو التاريخي (المكون السني)، في ظل ولاءات سياسية متقاطعة،  حيث يقف بعض الدروز ضد الدولة لصالح الكيان المارق، وآخرون يناصرون الدولة ويعاندون إسرائيل. لعبة متقنة يقودها حكماء الطائفة بتوازن شديد الحساسية.

أما الثنائية الثالثة فهي الحماية مقابل الاحتواء، حيث الحاجة إلى الأمن الظرفي والاستقلال المحدود  تدخل في صراع  مع خطر فقدان الذات التاريخية.

إن اختزال الإنسان إلى مجرد حارس “لجغرافيا سياسية” هو تهديد صريح لجوهر الكرامة الإنسانية، قد يكون أقرب إلى وصف أفلاطون للحراس بأنهم يشبهون كلاب الحراسة.

إن مفتاح الخروج من هذه المصيدة الجيوسياسية يبدأ من تفكيك منطق الأداة، أي تحويل “التُّقية المُفعلة” من عزلة إلى حكمة تفاعلية، ومن الدفاع إلى رغبة في التعايش. بعد ذلك، يأتي دور إعادة تعريف الذات كـ”فضاء حواري”، لا كـ”منطقة عازلة”، وككيان حضاري متجاور، لا طائفي متصادم.

هنا يبدأ تحرير الوجود من سطوة الوظيفة، ففي هذه المفارقة تكمن القوة الخفية، أقصد الهشاشة الوجودية (التفاهة الوجودية)، التي تبدو ضعفًا، لكنها قد تُصبح إذا ما رفضت أن تُختزل، سلاحًا فلسفيًا يربك آلة التشيؤ. وقد يأتي اليوم الذي يأكل فيه التنين رؤوسه، وربما يحترق بما تبقى من جلده.

تشير المعطيات الجيوسياسية الراهنة والدور التاريخي للأقليات في نزاعات الشرق الأوسط إلى أن الهجمات الأخيرة ستجبر الطائفة الدرزية، لا سيما في فلسطين وسوريا، على إعادة تقييم موقعها الاستراتيجي. سيكون عليها الموازنة بين هويتها الأصيلة وضرورات بقائها السياسي في ظل تصاعد الاستقطاب الإقليمي والهويات القومية والدينية المتنافسة.

نتيجة لذلك، ستضطر الأقلية الدرزية إلى تعميق تحالفاتها مع القوى التي توفر لها الحماية والنفوذ، حتى لو كان ذلك على حساب انتماءاتها التقليدية في المشرق. بل قد تسعى بعض النخب الدرزية إلى توظيف وضعها “كحلقة وصل غامضة” (رمادية) لترسيخ دور تفاوضي بين إسرائيل وسوريا ولبنان. هذا التحوّل قد يرفع من شأن الطائفة كوسيط لا غنى عنه، لكنه يأتي بثمن باهظ، حيث سيتآكل تماسكها الداخلي، ويزداد انفصالها عن الأطر الوطنية، ويكبر شرخها في الشعور الجمعي والإسلامي.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram