ما قل ودل

الاحتباس الحضاري ومصير العالم

شارك المقال

أ. د. عبد القادر بوعرفة -الجزائر- جامعة وهران 2

نَحتُ مفهوم “الاحتباس الحضاري” منذ العام 2006، حين لاحظتُ ما بينه وبين “الاحتباس الحراري” من تماثل مأساوي في المآلات. فإذا كان الاحتباس الحراري يهدد الطبيعة بانفجارات مناخية وزلازل بيئية، فإن الاحتباس الحضاري يُهدد الإنسان ذاته، في جوهره ومصيره، إذ تتوقف فيه حركة الأفكار، ويُشلّ فيه التفاعل بين الحضارات، ويخمد فيه وهج الإبداع والمعنى، ليحلّ محله الصدام والتكّلس، والانكفاء على الذات. إنّه انسداد في المسارات الكبرى للتاريخ، حيث تفقد الحضارات قدرتها على تجاوز أزماتها، وتتعطل قدرتها على استيعاب التعدد والاختلاف، فيتحول التنوع إلى تهديد، والتقاطع إلى تصادم، والحوار إلى سلاح.

لقد دشنت الألفية الثالثة بفرضيات الصدام لا التواصل، ومن أشهرها أطروحة صامويل هنتنغتون حول “صدام الحضارات”، والتي لا تعدو أن تكون تحويرًا جديدًا لمقولات الصراع الهيغلي والجدل الماركسي، ولكن دون أمل في التركيب أو الانفراج. فإذا كان هيغل قد نظر إلى الصراع كحركة جدلية تتولد عن التناقض بين الأفكار، وتنتهي إلى مصالحة عقلية في صورة مركب أعلى، فإن الصدام كما صوّره هنتنغتون لا يسعى إلى تجاوز بل إلى تغليب، ولا يستند إلى العقل بل إلى القوة، ولا ينفتح على الاعتراف بالآخر بل يدعو إلى استبعاده أو تدجينه. في النسخة الهيغلية، الصراع سبيل للتعالي والتقدم, في النسخة الهنتنغتونية، هو طريق للتدمير ووسيلة لضبط العالم بمنطق أمني غربي.

العنف، إذًا، لم يعد انحرافًا عن العقل، بل غدا جزءًا من منطق التاريخ المعاصر. في الفلسفة الأفلاطونية، العنف هو انزلاق القوة الغضبية في النفس نحو نزع الاعتراف من الآخر بالقهر، حيث يُعاد تأويل السيطرة على أنها بطولة، والمجد على أنه قدرة على الإخضاع. إنه شكل مرضي من نرجسية التفوق، تمارسه القوى المهيمنة بذريعة الحفاظ على النظام، في حين أنه في حقيقته نفيٌ ممنهج للآخر المختلف.

غير أن العنف لا يمضي دون أثر، إذ يولّد عنفًا مضادًا، وتلك هي إحدى مفارقات التاريخ، فالشعوب المقهورة، والفئات المهمشة، والذاكرة الجريحة، كلها تبحث بدورها عن اعتراف، ولكن بلغة المقاومة، أحيانًا عنيفة، فيكون التاريخ مسرحًا لصراع تأويلي: عنف يوصف بأنه مشروع لأنه صادر عن “النظام”، وعنف يُجرّم لأنه صادر عن “الهامش”. وما هو مشروع وما هو مدان لا يُحدده القانون بل القوة، ولا يُفصل فيه العقل بل الخطاب المسيطر. هكذا تتحول فلسفة الحق إلى فلسفة استثناء، ويُقلب الفاعل إلى مفعول، ويُختزل العدل في منطق المنتصر.

لقد شكّل مشروع هنتنغتون وفوكوياما صورة صادمة لهذا المنعطف الحضاري، فالأول قدّم نظرية هي، في جوهرها، سردية أمنية موجهة، رتّبتها النخبة المخابراتية الأمريكية في صيغة أكاديمية، لتخدم مشروع الأمركة الذي دشّنه هاري ترومان سنة 1947 بشعار “ملء الفراغ”، وهو الفراغ الذي تركته القوى الاستعمارية التقليدية لتملأه الهيمنة الجديدة. والثاني، فوكوياما، أعلن في لحظة نرجسية “نهاية التاريخ” بانتصار الليبرالية، متوهمًا أن الإنسانية بلغت منتهاها، فيما كانت الأحداث تبرهن على العكس تمامًا: تصاعد الأصوليات، وانهيار الأنظمة، وتنامي الخوف، وانبعاث الهويات من رماد القهر.

كل هؤلاء، ومعهم كيسنجر ودوائر “الاحتواء”، أعادوا تشكيل العالم على هيئة يَسود فيها من يملك القمح أو النفط، ومن يتحكم في العقول أو المنصات، وجعلوا من الدولة الليفياثانية أنموذجًا، ومن السيطرة هدفًا، ومن التاريخ أداة لفرض الإرادة. في هذا السياق، يتجلى مفهوم “الاحتباس الحضاري” في أقصى درجاته، حيث العالم مغلق على ذاته، لا يتحرك إلا نحو مزيد من التشنج، ولا يفكر إلا بلغة المصلحة والقوة، حيث  لا مشاريع كبرى، ولا آفاق للتعايش، ولا معنى للإنسان.

غير أن النص القرآني، بخلاف هذه الرؤية التشاؤمية، قدّم مفهومًا مغايرًا في جوهره، هو “التدافع”. التدافع ليس صراع إبادة، ولا صدام قهر، بل هو حركة توازن تحفظ للأرض صلاحها، وتمنع الغلبة المطلقة لأي طرف. ولعلّ هذا المفهوم يجد صداه في قانون التداول العصبي عند ابن خلدون، وفي جدل النقائض عند هيغل، وحتى في إرادة القوة النيتشوية إن نزعنا عنها طابعها العدمي. التدافع لا يلغي الآخر، بل يضبط حركته، ويجعل من الصراع قوة دفع لا قوة هدم. إنه العنف الأخلاقي المشروع، أو بعبارة أدق، هو المقاومة الواعية.

من هذا المنطلق، فإن الحاجة اليوم ليست إلى مزيد من النظريات التبريرية، بل إلى مشروع حضاري يعيد للإنسان معناه، ويواجه الاحتباس القيمي بمفاهيم نابعة من التجربة الحضارية للشعوب. أوروبا انتجت “الأوْرَبة” كرد على الأمركة. أما نحن، فيمكن أن نقترح “العَوْربة” كمفهوم تأصيلي جامع، أو “الأسلمة” الحضارية لا السّياسية، أو الانخراط في أفق شرقي أوسع بمسمى “الشرقنة”، كما تلمّس ذلك مالك بن نبي في مشروعه الأفرو-آسيوي. المهم أن نكفّ عن استهلاك مفاهيم الغير، وأن نبدأ بتوليد مفاهيمنا، من تجربتنا، ومن نصوصنا، ومن جراحنا.

الاحتباس الحضاري لن يُفكّ إلا إذا فكّكنا منطق السيطرة من الداخل، وحررنا العقل من هيمنة الواحد، والهوية من سطوة الاستعلاء. وهذا لا يكون إلا بفلسفة جديدة تنبع من صميم التعدد، وتنحاز إلى الإنسان بوصفه غاية، لا وسيلة. يومها فقط، يمكن أن نستعيد المعنى في عالم يسير سريعًا نحو نهاياته، ولكن ربما لا يزال في الأفق بصيص نجاة.

 

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram