
أد. عبد القادر بوعرفة (جامعة وهران2)
منذ أن بدأ الإنسان يتأمل ذاته والعالم من حوله، تمازجت في كيانه نزعتان: نزعة التفكير العقلي التأملي، ونزعة الإبداع الشعوري الوجداني. هاتان النزعتان أنجبتا الفلسفة والشعر؛ فالأولى تبحث عن الحقيقة في إطار مفاهيم عقلية صارمة، والثانية تنشد الجمال في لغة الإيقاع والصورة. غير أنّ السؤال يظل مطروحًا: هل الفلسفة والشعر متضادان أم متكاملان؟ هل يمكن للعقل أن يتجاور مع الوجدان دون أن يُلغيه؟ هذه الإشكالية ليست جديدة؛ فقد أثارت جدلًا عميقًا منذ زمن أفلاطون وصولًا إلى هيدغر.
أولًا: الفلسفة… دهشة وسؤال وحيرة
يُقر كل حكيم أنّ الفلسفة ليست ترفًا فكريًا مخصوصًا للنخبة، بل هي نمط في التفكير قائم على الدهشة والحيرة والسؤال. إنّها، كما قال أرسطو، تبدأ من الدهشة، تلك اللحظة التي تدفع الإنسان إلى البحث عن المعنى وراء الظواهر. التأمل الفلسفي ليس مجرد تنسيق للأفكار، بل هو إدراك وفهم، قبول صورة في الذهن بوعي تام، كما يرى ابن باجة. ومن ثمّ، تُثير الفلسفة في النفس مشاعر شتى: المعاناة، والقلق، والحيرة، والاستشراف، وربما الإحساس بـ”الحقيقة الضائعة”.
لكن هذا السعي الفلسفي يصطدم بعائق اللغة؛ إذ يجد الفيلسوف نفسه عاجزًا عن التعبير الدقيق عن مدركاته، فيشعر، كما قال محي الدين ابن عربي، أنّ اللغة تخونه. عندئذٍ، تنشأ الحاجة إلى لغة بديلة أو مكمّلة، لغة تنقل المعنى العقلي في صور وجدانية، وهنا يطلّ الشعر باعتباره وسيطًا بين الفكر والحس.
ثانيًا: الشعر والفلسفة… لقاء العقل بالقلب
إذا كانت الفلسفة خطاب العقل، فإن الشعر خطاب الروح. لكن هل هما متباعدان تمامًا؟ أفلاطون رأى في الشعر خطرًا على الفلسفة، حتى بلغ به الأمر أن يطرد الشعراء من مدينته الفاضلة بحجة أنّهم يثيرون العاطفة ويبعدون عن الحقيقة. غير أنّ هذا الموقف لم يحسم العلاقة؛ فقد جاء ابن سينا ليفند الموقف الأفلاطوني عبر “العينية” الشهيرة، حيث انسجم الفكر الميتافيزيقي مع الترانيم الشعرية، حتى غدت قصيدته أكثر مقروئية من كتبه الفلسفية. يقول فيها مخاطبًا الروح:
هبطت إليك من المحل الأرفع *** ورقاء ذات تعزز وتمنع
هنا يتحول الشعر إلى وعاء يستوعب أعمق القضايا الفلسفية في صياغة وجدانية مؤثرة. وكذلك فعل ابن الفارض حين جعل الشعر أداة للتعبير عن مراتب العقل الثلاث: العرفان، البرهان، البيان، مؤكّدًا أنّ العرفان يتطلب برهانًا، وكلاهما يحتاج إلى البيان، ولا أصدق من الشعر في تحقيق ذلك.
ثالثا: الشعراء بين القرآن وأفلاطون: تقاطع الرؤى أم اختلاف المقاصد؟
حين نقرأ الآية الكريمة: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ (الشعراء: 224-226)، قد يبدو لأول وهلة أنَّ الموقف القرآني يتماهى مع موقف أفلاطون في رفضه للشعراء، لكن التدقيق يكشف عن اختلاف جوهري في الغاية والمعيار.
أفلاطون في “الجمهورية“ طرد الشعراء من مدينته الفاضلة لأنه رأى في الشعر محاكاة للمحاكاة، أي صورة زائفة للحقيقة، ولأن الشعراء يثيرون العواطف ويصرفون النفس عن التفكير العقلاني. أما القرآن الكريم، فليس ضد الشعر لذاته، بل ضد نوع من الشعراء الذين يسخّرون موهبتهم في الكذب والافتراء، وفي تزييف القيم، أولئك الذين «يهيمون في كل واد» أي يذهبون في القول مذهب المبالغة والخيال بلا التزام بالحق. والدليل على ذلك أن الآية نفسها استثنت شعراء الحق فقالت: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ (الشعراء: 227)، ما يعني أنّ الشعر إذا ارتبط بالقيم العليا صار وسيلة من وسائل الحق والدعوة إليه.
من هنا، نجد أنّ القرآن يعترف للشعر بقوة تأثيره وقدرته على خدمة الفضيلة، وهذا ما تؤكده السيرة النبوية، إذ كان للنبي ﷺ شعراء يدافعون عن الإسلام كحسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة. فالموقف القرآني ليس رفضًا للشعر، بل نقدًا لانحرافه عن الصدق والالتزام، تمامًا كما رفض أفلاطون الشعر الذي يغوي النفس ويضللها، وإن كان الدافع عند أفلاطون معرفيًا (الخوف من المحاكاة)، بينما هو في القرآن أخلاقي وقيمي (الخوف من الإفساد والتحريض على الباطل).
إذن، يمكن القول إنّ كِلا الموقفين يشتركان في الحذر من قوة الشعر إذا تحوّل إلى أداة خداع أو تضليل، لكنهما يختلفان في الغاية: عند أفلاطون الغاية هي حماية العقل من الإيهام، وعند القرآن الغاية هي حماية الضمير من الانحراف. وهذا التلاقي الجزئي يفتح أفقًا للتفكير في طبيعة الشعر: أهو مجرد زخرف لفظي أم أداة للتأثير الوجودي والأخلاقي؟
رابعًا: هيدغر… الشعر مسكن الكينونة
في الفلسفة المعاصرة، قدّم مارتن هيدغر تصورًا ثوريًا عن العلاقة بين الشعر والوجود. ففي الوقت الذي سادت فيه الفلسفة التحليلية والنزعة العلمية الصارمة، جاء هيدغر ليؤكد أنّ اللغة ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي بيت الكينونة، وأنّ الشعر هو أسمى أشكال هذا السكن. يقول في أحد نصوصه الشهيرة: “اللغة مسكن الكينونة، وفي مسكنها يقيم الإنسان.”، ما يعني أنّ الإنسان لا يوجد خارج اللغة، بل يحقق وجوده من خلالها.
هيدغر يرى أن الشاعر، قبل الفيلسوف، هو الذي يكشف لنا عن جوهر الكينونة، لأنّ الشعر يفتح لنا أفقًا أصيلًا للحقيقة، في حين أنّ الفلسفة التقليدية قيّدت نفسها بمفاهيم ميتافيزيقية جامدة. لهذا، اعتبر الشعر فعل كشف، وليس مجرد تعبير جمالي، إذ يتيح للوجود أن يتجلّى في الكلمات، وهو ما سمّاه بـ الانكشاف (aletheia)، أي رفع الحجاب عن المستور.
في دراسته عن هولدرلين، اعتبر هيدغر أنّ الشعر يحمل رسالة أنطولوجية عميقة، فهو لا يصف العالم فحسب، بل يمنح الإنسان “إقامة” حقيقية فيه، أي انتماءً ومعنى في زمن سيطر فيه النسيان للوجود. ولعل هذا ما جعله يقول إنّ الشاعر والفيلسوف يشتركان في مهمة واحدة: إنقاذ الكينونة من النسيان عبر الكلمة، لكن الشاعر يحقق ذلك عبر الحدس والصورة والإيقاع، بينما يظل الفيلسوف أسير المفهوم.
إنّ هيدغر يذهب أبعد من هذا، حين يربط الشعر بالمستقبل، معتبرًا أنّ الشاعر الحقيقي يستبق الفيلسوف في فتح آفاق جديدة للوجود، لأنه يُنصت لصوت الكينونة في لغة تتجاوز المعايير المألوفة. ولهذا، رأى في الشعر وسيلة للخلاص من هيمنة التقنية والعقل الأداتي، لأنه يعيد الإنسان إلى أصالته الأولى، إلى علاقة حميمة بالعالم، لا تقوم على السيطرة بل على الإصغاء.
هكذا، يصبح الشعر عند هيدغر ليس مجرد فن جميل، بل حدثًا أنطولوجيًا يُعيد للإنسان معنى الوجود، ويجعله يقيم في العالم لا ككائن مسيطر، بل ككائن شاعر، يعيش في حضرة الوجود لا في غربته.
خامسًا: الشعر ليس نظمًا بل فكرًا
من هنا نفهم أنّ الشعر الحقيقي ليس مجرد وزن وقافية، بل هو فكر ممتزج بالشعور. الشاعر الذي يكتفي بالنظم قارضٌ للألفاظ، أما الشاعر الحقّ فهو فيلسوف يرى الأشياء بعيون القلب قبل العقل. هذا ما عبّر عنه إيليا أبو ماضي قائلًا:
لست مني أن حسبت الشعر لفظًا ووزنًا *** خالف دربك دربي وانقضى ما كنا
أما المتنبي، فقد جمع بين العقل والوجدان حتى صار شعره فلسفة في ثوب إبداعي:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله *** وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
سادسًا: التماثل والاختلاف
يمكن القول إنّ الفلسفة والشعر يلتقيان في سعيهما نحو المعنى، لكنّهما يفترقان في الوسيلة؛ فالفلسفة تسلك طريق البرهان والمنطق، بينما الشعر يسلك طريق الصورة والرمز. الفلسفة عقلية نسقية، والشعر وجداني حرّ، غير أنّهما، حين يتجاوران، يمنحان الفكر عمقًا وجمالًا معًا، كما يحدث في نصوص ابن سينا، أو في محاورات أفلاطون التي، رغم رفضه للشعر، جاءت مشحونة بالمجاز والصور حتى بدت كأنّها قصائد نثرية، على خلاف أرسطو الذي بقي حبيس لغة المنطق والحدود.
إنّ العلاقة بين الفلسفة والشعر ليست علاقة خصومة مطلقة ولا تطابق تام، بل هي علاقة شدّ وجذب، تقابل وتكامل. الفلسفة تمنح الشعر عمقًا فكريًا، والشعر يمنح الفلسفة لغة الحياة ودفء الشعور. لذلك، فإنّ أصدق ما قيل في هذا السياق هو قول النبي الكريم: ” إن من الشعر لحكمة.”، لأنّ الشعر، حين يخلص للمعنى، يتحول إلى فلسفة مغنّاة، والفلسفة، حين تقترب من الجمال، تصبح شعرًا متأملًا.