ما قل ودل

بين شِعاب الأمس وشِعاب اليوم.. أين ذهبت النخوة؟

شارك المقال

في زمن الجهل، وقبل أن تُنير الرسالة المحمدية طريق البشرية، وقعت حادثةٌ عظيمة لا تزال تهزّ الوجدان،فقد حُوصر النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم ومعه بنو هاشم في شعاب مكة ثلاث سنوات، جُوِّعوا، ومُنع عنهم الطعام والشراب، حتى أكلوا ورق الشجر، وسمع الناس صراخ الأطفال من الجوع.

كان الحصار خانقًا، ظالمًا، لكنه كان كاشفًا أيضًا. فقد أظهر أن بعض كفار قريش، رغم كفرهم، لم يستطيعوا تحّمل مشهد المأساة. تحركت نخوتهم، وتحرّك ضميرهم الإنساني، فكسروا الصحيفة الجائرة، ووقفوا في وجه الظلم.

و اليوم، نأكل الطعام ونلبس الثياب ونشرب الماء البارد، بينما يُحاصر أهلنا في غزة، أطفالهم يموتون جوعًا، ونساؤهم تُذّبح في صمت، ويُقصفون بلا انقطاع. لا طعام، لا دواء، لا مفرّ.

لكن الفرق كبير، نحن مسلمون، نعرف سيرة النبي، ونبكي كلما تذّكرنا معاناته في الشعاب، لكننا لا نتحرك كما فعل من لم يعرف الله ولم يؤمن برسوله.

فأين نحن من أخلاق الجاهلية، بل من أخلاق النبوة؟

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق”، وهذا يعني أن الأخلاق كانت موجودة، لكنه جاء ليُكمّلها ويُصححها.

كانت هناك نخوة، شهامة، مروءة، حتى في القلوب التي لم تؤمن بعد. أما اليوم، فالمفارقة أن القيم تراجعت، رغم أن الرسالة اكتملت، والقرآن بين أيدينا، والسيرة تُدّرس في المناهج، والخطب تُلقى على المنابر.

فلو عاش الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بيننا اليوم، ورأى هذا التخاذل، وهذه اللامبالاة، وهذه القدرة على التعايش مع الظلم، لربما كان الحصار في شعاب مكة أهون على قلبه مما يراه من تخاذل أمته اليوم.

لقد أصبحنا نحتاج إلى بعثة جديدة، لا لنبي، ولكن لضمير حي، لقيم تُبعث من جديد، لصحوة تعيد للقلوب نخوتها.

غزة ليست اختبارًا للصهاينة، فهم يفعلون ما عهدناهم عليه، لكنها اختبارٌ لنا. لقلوبنا، لنخوتنا، لإنسانيتنا، ولإيماننا. والنتيجة حتى الآن مؤلمة.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram