تواجه الجزائر، كغيرها من دول العالم، تحديات جسيمة تتعلق بالأمن الغذائي والآثار السلبية لتغير المناخ، لاسيما في ظل التغيرات المناخية المتسارعة التي تمس المنطقة المتوسطية. وفي هذا السياق، اعتمدت الجزائر حزمة من السياسات والاستراتيجيات المتكاملة التي تستهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي وتعزيز المرونة في مواجهة الصدمات المناخية.
و يمثل الأمن الغذائي أحد أهم أولويات السياسات الوطنية الجزائرية، خاصة في ظل التحديات المتزايدة المرتبطة بالتغيرات المناخية، وتقلص الموارد المائية، وتقلبات الأسواق العالمية. وبغية تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي، شرعت الجزائر في تنفيذ خطط وطنية طموحة تشمل تطوير القطاع الفلاحي، تعبئة الموارد المائية، وتعزيز الشراكات الدولية في سلاسل الإنتاج الغذائية.
السياسات والاستراتيجيات الوطنية لتحقيق الأمن الغذائي
1. التحول المستدام للنظم الغذائية
اعتمدت الجزائر خارطة طريق وطنية للتحول المستدام للنظم الغذائية، ترتكز على تفعيل حوكمة مؤسساتية بمشاركة جميع القطاعات الوزارية ذات الصلة. وتعتمد هذه المقاربة على نهج تشاركي يضم الفاعلين الوطنيين، والمنظمات غير الحكومية، والباحثين، مع التركيز على إدماج النساء والشباب في مسار التحول الغذائي.
2. تطوير سلاسل الإنتاج الاستراتيجية
خصصت الجزائر استثمارات ضخمة لتطوير القطاعات الاستراتيجية، لا سيما زراعة الحبوب، من خلال تدابير تحفيزية شملت:
-
إنشاء 30 صومعة تخزين بسعة 100 ألف طن لكل منها.
-
تخصيص 350 مركز جواري للتخزين بسعة 5 آلاف طن.
-
زيادة قدرة التبريد عبر بناء غرف تبريد صغيرة ومتوسطة.
-
تخصيص 400 ألف هكتار للزراعة الصحراوية، مع هدف الوصول إلى مليون هكتار بحلول عام 2025.
تعبئة الموارد المائية لمواجهة التغيرات المناخية
1. مشاريع تحويل المياه وتحلية مياه البحر
في ظل محدودية الموارد المائية، تبنّت الجزائر استراتيجية محورية تقوم على إنشاء مشاريع تحويل ضخمة للمياه من المناطق الغنية بالمخزون المائي إلى المناطق التي تعاني من العجز. بالإضافة إلى ذلك، تم تعزيز تعبئة الموارد المائية غير التقليدية عبر:
-
تشغيل خمس محطات تحلية كبرى جديدة بسعة 1.5 مليون متر مكعب يومياً.
-
توسيع مشاريع تصفية ومعالجة مياه الصرف الصحي.
2. تعزيز تقنيات الري المقتصدة للمياه
غطت تقنيات الري المقتصدة للمياه حوالي 60% من الأراضي المسقية، مما ساهم في تحسين كفاءة استغلال الموارد المائية وتعزيز الإنتاجية الزراعية.
مشروع السد الأخضر ومبادرات التشجير
يمثل مشروع السد الأخضر أحد أهم المبادرات البيئية التي تستهدف مكافحة التصحر وتعزيز امتصاص الكربون. ويتضمن هذا المشروع:
-
توسيع مساحة السد الأخضر بـ300 ألف هكتار.
-
إعادة تأهيل وتنمية 500 ألف هكتار.
-
إطلاق مشروع غابي لإنشاء بالوعات كربون طبيعية على مساحة 520 ألف هكتار.
-
غرس 423 مليون شتلة.
تحفيز الاستثمار والشراكات الدولية
عملت الجزائر على تحسين مناخ الاستثمار من خلال توفير أوعية عقارية فلاحية خاصة في الجنوب، وتقديم تسهيلات تشمل:
-
منح البذور مجاناً.
-
دعم وسائل الري المقتصدة للمياه.
-
تسهيل الحصول على الأراضي وتصاريح حفر الآبار.
-
تسهيل ربط المشاريع بشبكات الكهرباء, كما أطلقت الجزائر مشاريع شراكة “ضخمة ومهيكلة” مع مؤسسات أجنبية من دول مثل إيطاليا وقطر في سلاسل الإنتاج الحيوية كالحبوب والحليب.
التزام الجزائر نحو التنمية المستدامة في إفريقيا
تعتبر الجزائر فاعلاً رئيسياً في تعزيز التنمية المستدامة بالقارة الإفريقية، من خلال مبادرات مثل إعلان كامبالا 2025 لتعزيز النظم الغذائية للفترة 2026-2035. كما أنجزت الجزائر الشطر الخاص بها من الطريق العابر للصحراء وصولاً إلى لاغوس (نيجيريا)، وافتتحت خطوطاً بحرية جديدة مع موريتانيا والسنغال لدعم سلاسل التموين.
التعاون الإقليمي لمواجهة الأزمات البيئية
كما ساهمت الجزائر في دعم دول الجوار المتضررة من الجراد الصحراوي من خلال تقديم المعدات والمبيدات، فضلاً عن تسهيل عمل وتنقل فرق هيئة مكافحة الجراد في المنطقة الغربية.
و تعكس السياسات والاستراتيجيات التي تبنتها الجزائر التزاماً وطنياً واضحاً بتحقيق الأمن الغذائي في إطار مقاربة شاملة ومستدامة تأخذ بعين الاعتبار الأبعاد البيئية والمناخية والاقتصادية والاجتماعية. كما تمثل هذه الجهود نموذجاً للتكامل بين البعد المحلي والإقليمي والدولي في مواجهة التحديات العالمية المتعلقة بالنظم الغذائية.