بقلم مهدي الباز -صحفي مختص في القضايا السياسية-
تعدّ عملية إعادة إعمار لبنان في المرحلة الراهنة أكثر من مجرد مشروع اقتصادي أو هندسي، بل هي خطوة استراتيجية محورية تمسّ صميم مستقبل الدولة اللبنانية، سواء على المستوى الداخلي أو في علاقاتها الإقليمية والدولية. فمع حجم الدمار الذي خلفته الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتعاقبة، تبرز عملية الإعمار كضرورة وطنية وإقليمية تفرض نفسها على جميع الأطراف الفاعلة. تتجاوز أهمية هذا الملف حدود البعد المادي للبنية التحتية، لتشكّل أداة لإعادة بناء الدولة اللبنانية الحديثة وتعزيز وحدتها الداخلية ومكانتها في العالم العربي.
إعادة بناء الدولة اللبنانية وتعزيز الثقة في المؤسسات
إن إعادة تأهيل البنية التحتية المدمرة، بدءاً من المرافق الحيوية مثل الكهرباء والمياه والموانئ، وصولاً إلى المنشآت التعليمية والصحية، تمثّل ركيزة أساسية في استعادة مقومات الدولة اللبنانية. فالبنية التحتية القوية تُعدّ أساساً لازدهار الاقتصاد الوطني وجذب الاستثمارات، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على مستوى معيشة المواطنين. بالإضافة إلى ذلك، فإن نجاح مشروع الإعمار يسهم في استعادة ثقة المواطنين بالمؤسسات اللبنانية، وهو عنصر جوهري لبناء عقد اجتماعي جديد يرتكز على الشفافية والكفاءة.
تجاوز الانقسامات السياسية وتعزيز الوحدة الوطنية
في ظل الأزمات السياسية المتكررة التي يعاني منها لبنان، تأتي عملية الإعمار كفرصة تاريخية لتجاوز الخلافات الداخلية. إذ يُمكن لهذا الملف أن يشكل أرضية مشتركة تجمع مختلف التيارات والقوى اللبنانية حول هدف وطني جامع، وهو إعادة بناء لبنان. التركيز على أولويات إعادة الإعمار قد يسهم في تخفيف حدة الانقسامات الطائفية والسياسية، ويفتح المجال أمام حوار وطني شامل يؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار السياسي والاجتماعي.
الحفاظ على موقع لبنان في محور المقاومة
يشكّل ملف إعادة إعمار لبنان أيضاً بعداً استراتيجياً في سياق الصراعات الإقليمية. فدعم لبنان في هذه العملية، بعيداً عن الشروط السياسية التي تفرضها بعض الأطراف الخارجية، يعزز من قدرته على البقاء ضمن محور المقاومة، ويدعم موقفه في القضايا المصيرية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية. إن تمسك لبنان بسيادته واستقلال قراره السياسي يقتضي أن يتم تنفيذ عملية الإعمار وفق رؤية وطنية تحافظ على ثوابته القومية.
الدور الجزائري في دعم لبنان
تبرز الجزائر كأحد أبرز الداعمين للبنان في مسار إعادة الإعمار، من خلال تقديم المساعدات الميدانية والمساهمة في مشاريع إعادة البناء. لا يقتصر الدور الجزائري على البُعد الإنساني، بل يحمل أبعاداً سياسية واستراتيجية تؤكد التزام الجزائر التاريخي بالقضايا العربية، وعلى رأسها القضية اللبنانية. إن هذا الدعم يعكس طبيعة العلاقات الأخوية بين البلدين، ويعزز من حضور الجزائر كفاعل إقليمي موثوق في محيطها العربي.
تعزيز مصداقية السياسة الخارجية الجزائرية
يُعدّ دعم الجزائر للبنان نموذجاً عملياً لمصداقية سياستها الخارجية التي ترتكز على مبادئ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ودعم قضايا التحرر الوطني. إن الجزائر، من خلال موقفها المبدئي تجاه لبنان، تبرهن على أنها شريك استراتيجي يعتمد عليه في دعم الاستقرار الإقليمي، وهو ما يساهم في تعزيز صورتها كقوة دبلوماسية مسؤولة في العالم العربي.
إعادة إدماج لبنان في الحاضنة العربية
يساهم ملف إعادة الإعمار في إعادة توطيد علاقات لبنان مع محيطه العربي، خصوصاً مع الدول التي لطالما ساندت الشعب اللبناني في محنه، وفي مقدمتها الجزائر. إن تعزيز التعاون العربي في مجال الإعمار لا يسهم فقط في تسريع عملية التعافي الاقتصادي، بل يساهم أيضاً في إعادة دمج لبنان في محيطه العربي، بعيداً عن محاور الاستقطاب الإقليمي والدولي التي كانت سبباً في عزلته خلال السنوات الماضية.
تُعدّ إعادة إعمار لبنان مشروعاً استراتيجياً ذا أبعاد متعددة، تتجاوز الجانب الاقتصادي والهندسي لتصل إلى جوهر بناء الدولة وتعزيز الاستقرار الوطني والإقليمي. إن النجاح في هذا الملف يتطلب تظافر الجهود الداخلية والإقليمية، بروح من التضامن والتكامل، بعيداً عن الحسابات الضيقة. إن لبنان اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء ذاته كدولة موحدة ومستقلة وفاعلة في محيطها العربي، وهو مسار لا يمكن تحقيقه إلا عبر دعم صادق من الدول الشقيقة، وفي مقدمتها الجزائر.
