ما قل ودل

الأبعاد الاستراتيجية للتعاون الجزائري-اللبناني…الفرضيات المحتملة

شارك المقال

البروفيسور بوعرفة عبد القادر (جامعة وهران2)

في خطوة تُوصف سياسيًا وإعلاميًا من أبرز ملامح السياسة الخارجية الجزائرية في السنوات الأخيرة، أعلنت الجزائر تقديم دعم مالي سخي بقيمة 200 مليون دولار، إلى جانب هبة عاجلة من الوقود تُقدّر بـ30 ألف طن من مادة الديزل إلى لبنان، الذي يعيش أسوأ أزماته الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية. وعلى الرغم من صياغة البيان الرسمي الجزائري لهذا الدعم على أنه “تضامن إنساني مع الشعب اللبناني”، فإن التحليل الدقيق يكشف شبكة معقدة من الحسابات الاستراتيجية التي تتجاوز المبادرات التقليدية، وتكشف عن رؤية جزائرية طموحة في إعادة ترهين مكانتها إقليميًا ودوليًا.

ليس من المفارقة القول إن الجزائر ربما تريد سحب البساط من ساسة فرنسا، حيث كان لفرنسا الأثر الكبير في المشهد السياسي اللبناني، وهذه تعد فرصة تاريخية للجزائر لتقليص النفوذ الفرنسي.

يمكن أن نفترض جملة من الفرضيات الاستراتيجية المحتملة التي دفعت الجزائر إلى فتح مجال التعاون مع لبنان، لا سيما بعد التحوّل الجوهري الذي طرأ على المشهد السياسي اللبناني، مع ظهور وجوه سياسية جديدة لا ترتبط بالمحور الإيراني، الذي جرّ لبنان إلى أتون معارك كبرى على المستويات الاقتصادية، والاجتماعية، والعسكرية.

إن تعزيز الموقع الجيوسياسي والنفوذ الإقليمي يُعدّ من أولويات الاستراتيجية الجزائرية لإعادة التموقع كفاعل عربي فاعل في بيئة مشرقية تعاني من استقطابات متشابكة. يأتي توقيت هذا الدعم بعد العدوان الإسرائيلي الأخير على جنوب لبنان، ويُمثّل إسهامًا مباشرًا في جهود إعادة الإعمار، ودفع عجلة إعادة تشكيل المشهد السياسي بوجوه جديدة. هذا التموضع يعزز من مكانة الجزائر في مجلس الأمن (بصفتها عضوًا غير دائم)، ويقوّي موقفها في الدفع نحو تجديد ولاية قوات الأمم المتحدة في جنوب لبنان (اليونيفيل).

كما يمكن قراءة هذه المبادرة في سياق منافسة خفية مع بعض دول الخليج، لا سيما بعد تراجع الحضور السعودي التقليدي، وسعي الجزائر إلى استغلال الفراغ الناتج لإعادة هندسة توازن القوى داخل لبنان.

من زاوية أخرى، تُعدّ الجزائر ثاني أكبر دولة عربية من حيث احتياطي الغاز، وتسعى إلى توسيع سوقها الطاقوي خارج القارة الأفريقية. حيث يفتح الدعم المقدم للبنان آفاقًا لعقود محتملة لشركة “سوناطراك” في قطاع المحروقات والكهرباء اللبنانية. كما أن التزويد الطارئ بالديزل يُمثّل استثمارًا غير مباشر في استقرار البنية التحتية اللبنانية، ما قد يجعل من لبنان منصة لتصدير الغاز الجزائري في المستقبل.

ولا يمكن تجاهل البعد الإقليمي المرتبط بتحالفات الجزائر. فالدعم، لا سيما في جانبه الطاقوي، قد يصب في مصلحة مناطق خاضعة لنفوذ قوى “الممانعة”، لا سيما في ظل التصعيد العسكري المحتدم مع إسرائيل.   إن الجزائر التي تربطها علاقات مصلحية بإيران، قد تكون عبر هذا الدعم تُقدّم دعمًا غير مباشر لمحور المقاومة، دون أن تُقحم نفسها مباشرة في الصراعات الطائفية اللبنانية.

كما تسعى الجزائر إلى ترميم صورتها بعد حملة “الوقود المغشوش” الكاذبة، التي اُثيرت عام 2020، حين اتُهمت شركة “سوناطراك” بتصدير شحنات ملوثة إلى لبنان، وهي اتهامات فجّرها بعض الساسة اللبنانيين بدافع الابتزاز. ورغم استمرار المطالبات اللبنانية بدفع مستحقات مالية تُقدّر بـ18 مليون دولار، فإن مبادرة الرئيس تبون الأخيرة قد تُفهم كخطوة استباقية لاستعادة الثقة وتطبيع العلاقات.

إن الوضع اللبناني المتردي ينذر بانفلات أمني وهجرة غير نظامية نحو أوروبا. والجزائر، بوصفها حليفًا أمنيًا للاتحاد الأوروبي في مكافحة الهجرة والإرهاب، تدرك أن انهيار الدولة اللبنانية قد ينعكس مباشرة على الاستقرار في الضفة الجنوبية للبحر المتوسط. لذا فإن دعمها يُقرأ ضمن سياسة وقائية تهدف إلى حماية الاستقرار الإقليمي.

تجدر الإشارة إلى أن الجزائر ساهمت سابقًا في دعم لبنان عقب انفجار مرفأ بيروت عام 2020، واستقبلت مئات الطلبة اللبنانيين في جامعاتها، مما يُشير إلى استمرارية في نهج التضامن الممتد بين البلدين.

إلا أن التحديات والمخاطر المحتملة تظل قائمة، فالفساد الهيكلي في لبنان بات جليًا، ويعاني القطاع الطاقوي من فساد مزمن، ما يهدد بتبديد أو سوء استخدام المساعدات الجزائرية، بل وقد يُستغل لأغراض سياسية أو طائفية. كما أن النظام الطائفي القائم على المحاصصة قد يحوّل هذا الدعم إلى ورقة مساومة داخلية بين الفرقاء اللبنانيين.

أما من حيث السياق التاريخي، فإن العلاقات الثنائية بين البلدين تعود إلى زمن بعيد، حيث احتضنت الجزائر مبادرات وساطة خلال الحرب الأهلية اللبنانية، وشاركت في عديد المؤتمرات الداعمة للبنان. هذه المبادرات تُظهر أن الدعم الحالي ليس طارئًا، بل هو استمرار لتقليد دبلوماسي راسخ يقوم على مبدأ “سيادة الشعوب” واحترام خياراتها.

من ناحية داخلية، تكمن الأبعاد الاستراتيجية في توظيف القرار لأغراض رمزية، حيث يُستخدم هذا النوع من الدعم في الخطاب السياسي الجزائري لتعزيز شرعية الدولة داخليًا، لا سيما في ظل التوترات السياسية مع بعض دول الجوار ودول الساحل (السهل)الإفريقي. كما يمكن قراءته كمحاولة لتهيئة الرأي العام الداخلي لدور إقليمي جديد تقوم فيه الجزائر على سياسة “القوة الناعمة”، حيث تُقدّم نفسها كقوة متزنة تلعب أدوارًا إنسانية واستراتيجية في آنٍ واحد.

من كل ما سبق، يمكن القول إن هذه الاستراتيجية تمثل كإستراتيجية متعددة الأبعاد، تتجاوز البعد الإنساني، وتعكس رؤية استراتيجية متكاملة، تهدف أولًا إلى تعزيز فرص شركة “سوناطراك” في السوق اللبنانية وما حولها، وثانيًا إلى فرض الجزائر كفاعل إقليمي مستقل لا ينتمي إلى أي محور، وثالثًا إلى احتواء الانعكاسات السلبية المترتبة على انهيار الدولة اللبنانية.

وعلى الرغم من المخاطر المتمثلة في الفساد اللبناني والانقسامات السياسية، فإن هذه الخطوة تعكس رؤية جزائرية طموحة لتعزيز حضورها الإقليمي من خلال “دبلوماسية القوة الناعمة”، حيث يظل نجاحها مرهونًا بقدرة الجزائر على تحويل المساعدات إلى رافعة لشراكات دائمة، وتجاوز الإشكاليات الهيكلية في الدولة اللبنانية.

في العمق الاستراتيجي، يمكن القول إن هذه المساعدة ليست مجرد رد فعل على أزمة طارئة، بل هي خطوة مدروسة في إطار استراتيجية جزائرية أوسع تسعى إلى تأكيد مبدأ “الحياد الفاعل”، وإعادة رسم خريطة النفوذ في منطقة تتأثر بالاستقطابات الدولية.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram