في كل أمةٍ تمرُّ فترات ضعفٍ وفترات قوة. لكن، أكثر ما يُضعف الأمم ليس الاحتلال ولا الفقر، بل فقدان الثقة في شبابها. ولعلّ أخطر ما زرعه الفكر الغربي المعاصر في مجتمعاتنا هو ما يُعرف بـ”مرحلة المراهقة”؛ مصطلح دخيل، ظهر في أوروبا حديثًا، وأُقحم في منظوماتنا التربوية حتى أصبح الشاب في عمر الثلاثين يُصنَّف ضمن “مرحلة الطيش”! وكأنّنا نسعى جاهدين لنزع المسؤولية من أعناقهم بدلاً من غرسها.
فماذا عن شبابنا في الماضي؟ هؤلاء الذين لم يكن يُقال عنهم “مراهقون”، بل كانوا يُنادَون بـ”الرجال”. صغار في السن، كبار في الهمّة، عظام في الأثر.
ومن بين شواهد التاريخ عبد الرحمن الناصر (21 سنة)…صانع مجد الأندلس، الذي أقام نهضة علمية وسياسية، جعلت من دولته أقوى دولة في أوروبا، تخضع لها الممالك المسيحية، وكذلك أسامة بن زيد قاد جيشًا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم في عمر 18 سنة ، وكان تحت قيادته أعظم الصحابة، كأبي بكر وعمر.
محمد بن القاسم (17 سنة): فتح بلاد السند وقاد واحدة من أروع الفتوحات في التاريخ الإسلامي.
سعد بن أبي وقاص (17 سنة): أول من رمى بسهم في سبيل الله، وأحد أصحاب الشورى الستة الذين رشّحهم عمر بن الخطاب للخلافة.
طلحة بن عبيد الله (16 سنة): بطل غزوة أحد، بايع على الموت، وحمى النبي بجسده حتى شُلّت يده.
معاذ ومعوّذ (13 و14 سنة): قضيا على قائد المشركين أبا جهل في غزوة بدر، وقلبا المعركة بتضحياتهما. زيد بن ثابت (13 سنة): تعلم العبرية في 17 يومًا فقط، وأصبح كاتب الوحي، ومترجم النبي، وجمّاع القرآن الكريم.
غيّرنا المفاهيم،حيث أصبح الترف هو القاعدة، والمسؤولية تُؤجَّل, غيّرنا التربية فبدلاً من أن نقول للولد “أنت رجل”، نقول له “لا زلت صغيرًا”.
تغيرت القدوات فبدلًا من أن يُقلّد الشاب صلاح الدين، أصبح يقلّد نجوم التيك توك.، وتغيرت الغايات، حيث لم نعد نُربّي لأجل أمة، بل لأجل شهادة أو وظيفة أو شهرة،وبالتالي يستوجب أن نحذف مصطلح “المراهق” من معاجمنا التربوية ،و نزرع الثقة والعزيمة في نفوس أبنائنا منذ الصغر، و أن نربّيهم على المسؤولية والقيادة، ونعلّمهم أن أمتهم تنتظره، و نعيد القدوات التاريخية إلى الواجهة، ونرويها لا كقصص ماضٍ، بل كواقع يجب أن يُتكرّر.
إنّ الجيل الذي نشأ على الترف لا ينصر أمة. وإنّ الأمة التي لا تُعدّ شبابها للنهوض، لا تستحق النهوض.