ما قل ودل

المضمر والمسكوت عنه في رواية “بنسيون في الشّارع الخلفي…مقاربة تأويلية سردية

شارك المقال

الأكاديمية الجزائرية أ.د سعاد بسناسي جامعة وهران 1 عضو. المجلس الأعلى للغة العربية، مديرة مخبر اللهجات ومعالجة الكلام، رئيسة أكاديمية الوهراني
الجزء الأول:

قبلَ البدءِ أقولُ: (الحياةُ رقصةُ ظلٍّ ونورِ، فيها ما يُقال وما لا يُقال، ما يُرى وما يُحسّ؛ هي مرآةٌ تُحدّق فينا بوجوهٍ لا تُحصى، وفي صمتها همسُ المعنى لمن يُنصت بقلبٍ لا بعين)…سعاد بسناسي.

نسيرُ في دروبها كأنَّنا ننسجُ من لحظاتها خيوطًا من سؤالٍ ودهشة، نرتشفُ من عذاباتها شرابًا يكشف السّترَ عن وجهِ الحكمةِ، ونبتسمُ حين نكتشفُ أنَّ الجُرحَ ما كان إلاَّ نداءً للاستيقاظ.
كلّ ما حولنا يبوح،
وإن تظاهر بالصّمت،
الرّيحُ حوارٌ، والغيمُ قصيدةٌ من حنينٍ غابر، والحَجَرُ حكمةٌ مطويّةٌ في كتاب الزّمن.

فما الحياة إلاّ مجلى لمعاني تتقلّب بين التجلّي والحجاب، بين البوح والإشارة… ومن تذوّقها بلُبّه لا بعقله، أدرك أنّ كلّ شيء فيها يُشير إلى شيء أبعد، وأنّ المسكوت عنه أبلغ من المُعلن إن أُصغي له من مقام الصّفاء).
اسمحولي وإن أطلتُ قبل البدء، فليس ذلك إلاّ لأنّ قبل البدء بدءٌ ظاهرٌ ومضمرٌ وبينهما مسكوتٌ عنه خفيٌّ خلفيٌّ كما في بنسيون في الشّارع الخلفيّ….

1- الفروق الدّقيقة في المعجم العربيّ بين (الفندق، والنّزل، والبنسيون) تتطلّبُ أن نتوقّف عندها، حيث تتداخل الدّلالات بين الأصل اللّغويّ والاستخدام المعاصر، وتكمن الفةارق في الآتي:

أ- الفندق: الأصل اللّغويّ: كلمة “فندق” معرّبة من اليونانيّة “πανδοχεῖον” (pandocheion)، عبر اللّغات الأوروبيّة، وتعني مكانًا يستقبلُ الجميع.
– الدّلالة المعاصرة:
– مكانُ إقامةٍ مؤقّت للسّياح والمسافرين.
– يتّسمُ عادةً بالفخامةِ أو التّنظيم التّجاريّ.
– يقدّمُ خدماتٍ متعدّدةٍ: غرف، مطاعم، استقبال، أحيانًا مرافق ترفيهيّة.
– الطّبقات الاجتماعيّة: يرتبطُ غالبًا بالطّبقة الوسطى فما فوق، ويُستخدم في السّياقات الرّسميّة والسّياحيّة.

ب- النُزُل: الأصل اللّغويّ: من الجذر “نزل”، أي أقام أو حلّ بمكان. ورد في القرآن الكريم: “نُزُلًا من غفورٍ رحيم”.
– الدّلالة المعاصرة:
– مكانُ إقامةٍ بسيطٍ، غالبًا ما يكون أرخص من الفندق.
– يُستخدمُ أحيانًا للإشارة إلى بيوت الشّباب أو أماكن إقامة جماعيّة.
– قد لا يقدّم خدمات فاخرة، بل يركّز على الوظيفة الأساسيّة: المبيت.
– الطّبقات الاجتماعيّة: يرتبطُ بالبساطة، ويُستخدمُ في السّياقات الأدبيّة أو الرّسمية التي تميل إلى الفصحى.

ت- البنسيون: الأصل اللّغويّ: كلمة فرنسيّة pension، دخلت العربيّة عبر الموجات الاستعماريّة أو التّبادل الثّقافيّ.
– الدّلالة المعاصرة:
– مكان إقامة صغير، غالبًا تديره عائلة أو أفراد.
– يقدّم غرفًا للإيجار، أحيانًا مع وجبات منزليّة.
– يُستخدم في المدن الصّغيرة أو الأحياء القديمة، وله طابع حميميّ.
– الطّبقات الاجتماعيّة: يرتبط بالطّبقة المتوسّطة أو المحدودة، ويُستخدم في اللّهجات أو السّياقات غير الرّسميّة.
رواية “بنسيون الشّارع الخلفيّ” للرّوائيّ السّوريّ محمّد فتحي المقداد هي عملٌ أدبيٌّ جريءٌ ومؤلمٌ، يكشفُ المسكوت عنه في المجتمع السّوريّ خلال سنوات الحرب، تسلّطُ الرّواية الضَّوء على التَّحوُّلات الاجتماعيّة والأخلاقيّة التي فرضتها الحرب السّوريّة، من خلال تصوير واقع مخيّم اليرموك بعد تهجير سكّانه، حيث تحوّل إلى مسرح لانتهاكات متعدّدة:

– المساكنة غير الشّرعيّة بين الشّباب والفتيات دون رابط قانونيّ أو دينيّ
– التّعفيش وسرقة البيوت من قبل الشّبّيحة (كلمة “التّعفيش” في سياق النّزاعات المسلّحة تعني نهب وسرقة محتويات المنازل والممتلكات الخاصّة في المناطق التي تشهد صراعًا أو أصبحت خالية بسبب النّزوح. ويُشير مصطلح “التّعفيش” تحديدًا إلى سرقة الأثاث المنزليّ…)
– تفكّك القيم الأخلاقيّة والدّينيّة
– القتل، القصف، الاعتقال، الجوع، وأكل الحشائش للبقاء على قيد الحياة.
رواية “البنسيون الخلفيّ” هي عملٌ أدبيٌّ يعكسُ الواقع الاجتماعيّ والسّياسيّ في سوريا من خلال عدسة سرديّة تجمع بين الواقعيّة والرّمزيّة. يحملُ العنوان دلالة رمزيّة؛ ـ”البنسيون” مكان إقامة مؤقّت، و”الخلفيّ” يوحي بالعزلة أو التّهميش، ممّا يعكس حال الشّخصيّات أو المجتمع الذي تصوّره الرّواية.

– المكان: تدور أحداث الرّواية في بنسيون يقع في أحد الأحياء الدّمشقيّة، ويضمّ مجموعة من الشّخصيّات المتنوّعة، كلّ منها يحمل قصّة ومأساة.

– الزّمن: يمتدّ السّرد عبر مراحل مختلفة من التّاريخ السّوريّ، مع التّركيز على التّحوّلات السّياسيّة والاجتماعيّة التي أثّرت على حياة النّاس.

يتبع
Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram