
أد. عبد القادر بوعرفة (جامعة وهران2)
إن السياسة الخارجية سلوكٌ استباقيٌ قائم على منطق الحسابات الواقعية، وليس ردود أفعال عاطفية أو شعاراتية، وهو ما يتوافق مع المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية التي ترى أن البقاءَ والمنفعة الذاتية هي محور تفاعل بين الدول.
وعليه، لا يمكن فهم مسار السياسة الخارجية للجزائر في العقدين الأولين من الاستقلال دون التطرق إلى البُعد المالي غير التقليدي الذي صاحب بناء المؤسسات الدبلوماسية للدولة الوليدة. ففي فترة ما بين 1963 و1979، لم تكن حقيبة الخارجية مجرد أداة للتمثيل الدبلوماسي، بل كانت أيضًا مختبرًا لتجريب نماذج تمويلية استثنائية، أبرزها ما عُرف بـ”صندوق تحريك البعثات”.
هذا الصندوق، الذي لم يُدرج في الميزانية العامة للدولة، كان يُموَّل مباشرة من عائدات الرسوم القنصلية، والتأشيرات التي تجمعها السفارات والقنصليات الجزائرية في الخارج. وبدل تحويل هذه الموارد إلى الخزينة العمومية، كان يُسمح للبعثات الدبلوماسية باستخدامها بشكل مباشر لتغطية نفقات التشغيل، وصيانة المباني، وتنظيم اللقاءات، بل وحتى لتمويل أنشطة سياسية ودبلوماسية خاصة. وكان هذا النظام يُدار بإشراف وزير الخارجية آنذاك، عبد العزيز بوتفليقة، الذي تولى الحقيبة من عام 1963 إلى 1979، في أطول فترة تولي لمنصب خارجية في تاريخ الجزائر.
في سياق دولة ما زالت تُبنى وهي فتية النشأة، واقتصادها ما زال هشًّا، ومع موازنة عامة محدودة، كان من الطبيعي أن تُلجأ إلى آليات تمويل غير مركزية. لكن ما بدأ كحل ديبلوماسي استراتيجي تحول تدريجيًا إلى نمط تدبير مالي معزول، لا يخضع لرقابة مالية حقيقية، ولا يُدرج في الحسابات الرسمية للدولة. وقد كان هذا النمط ممكّنًا بثقة سياسية مطلقة من الرئيس هواري بومدين، الذي كان يُقدّر بوتفليقة كأحد أبرز رجالات النظام، ويُعفيه من كثير من الإجراءات الرقابية المفروضة على غيره.
لكن هذه الاستقلالية المالية، التي نُظر إليها في البداية كمرونة إدارية، تحولت لاحقًا إلى شبهة فساد مالي وسوء تسيير، خصوصًا مع تراكم الفوارق بين ما تم جمعه من عائدات خارجية، وما تم إبلاغه أو تحويله للدولة.
حيث بعد وفاة بومدين في 1978 وتولي الشاذلي بن جديد الحكم، بدأت مرحلة إعادة تنظيم المؤسسات، وتكثيف الرقابة المالية. وفي 22 ديسمبر 1981، أطلقت محكمة الحسابات تحقيقًا واسعًا بعنوان “التسيير غير الشفاف لودائع السفارات الجزائرية في الخارج بين 1965 و1978″، وأحالت الملف إلى الغرفة التأديبية للانضباط المالي للدولة.
كشف التحقيق عن عجز مالي كبير في حسابات السفارات، خصوصًا في البنك السويسري SBC (البنك السويسري للائتمان)، حيث بلغ العجز نحو 70 مليون دينار جزائري، وهو مبلغ هائل في ذلك الوقت. وقد تركزت الشبهات حول استخدام غير قانوني لموارد الصندوق، وتحويلات غير موثقة، وغياب أي سندات محاسبية رسمية.
وكان عبد العزيز بوتفليقة، بصفته الوزير المشرف على الجهاز الدبلوماسي طيلة 16 عامًا، الوجه الأساس للملف. ففي مواجهة الأدلة، سارع إلى تسديد جزء من المبلغ، قدره 12.212.875.81 دينارًا جزائريًا، لكنه رفض تسوية الباقي، مُبررًا ذلك بأن الأموال تم إنفاقها في مشاريع ذات طابع عام، منها بناء المقر الجديد لوزارة الخارجية في المرادية، وهو مشروع لم يكن مدرجًا في الميزانية الرسمية.
بعد سلسلة من الجلسات والتحقيقات، أصدرت محكمة الحسابات في 8 أوت 1983 الحكم القطعي رقم 30/83، والذي جاء بقرارات صارمة:
- اعتبرت المحكمة أن بوتفليقة قام بـتوظيفات مالية احتيالية.
- وُجدت مخالفات جوهرية لأحكام الأمر 66-10 المؤرخ في 21 جوان 1966، الذي ينظم التسيير المالي للمرافق العمومية.
- ألزمت المحكمة الوزير السابق برد مبلغ يفوق 60 مليون سنتيم، أي ما يعادل 600 ألف دينار حينها، لكن التقديرات أشارت إلى أن القيمة الحقيقية للعجز تقارب 60 مليون دينار أي ما يُعادل بين 10 و12.5 مليون دولار بحسب سعر الصرف الرسمي في أوائل الثمانينات (4.8 د.ج = 1 دولار).
ومن الناحية التقديرية، فإن هذا المبلغ يعادل اليوم، بعد احتساب التضخم وانزلاق سعر صرف الدينار، ما بين 30 إلى 35 مليون دولار أمريكي بالقيمة الحالية.
في خطوة نادرة، نشرت جريدة “المجاهد”، الناطقة باسم الحزب الواحد آنذاك في اليوم التالي، أي 9 أوت 1983، نص الحكم كاملاً على ثلاث صفحات متتالية. كان هذا حدثًا استثنائيًا في سياق دولة تميل إلى إغلاق الملفات الحساسة، ما جعل القضية تصل إلى الرأي العام، وتحولت إلى موضوع نقاش عام، وإن كان قصير الأمد، وفسرها البعض أنها تصفية حسابات لا غير مع رجال الهواري بومدين.
لكن قبل أن يُنفذ الحكم، أصدر الرئيس الشاذلي بن جديد قرار عفو رئاسي خاص، أغلق بموجبه الملف رسميًا ونهائيًا. وبهذا، تجنب عبد العزيز بوتفليقة السجن أو العقوبات المالية، لكنه انسحب من الساحة السياسية، ودخل ما وُصف بـ”المنفى الاختياري”، حيث غادر الجزائر وظل خارج البلاد حتى عام 1987.
لاحقًا، وفي حوار إعلامي سنة 1999، تطرق بوتفليقة إلى هذه القضية، لكنه قدم قراءة سياسية عميقة لها، رفض فيها توصيفها بالفساد. حيث ركز على أن مهام الخارجية لا تُدار بالمجان (سبيل الله). هناك قضايا مصيرية تتطلب تمويلًا خاصًا. حيث يجب أن تُنفق على قادة أفارقة وجنوبيين أميركيين لضمان دعمهم للجزائر في المحافل الدولية، أو للتصويت لصالح قضاياها العادلة، والمساندة مهما كانت، لها ثمن وتنازلات.
وبين عبد العزيز بوتفليقة أن الدولة حين تدفع مبلغًا ماليًا لدولة أجنبية، فإن وراء ذلك مصالح استراتيجية لا يراها المواطن العادي، ولا حتى المثقف. إنها حسابات يُدركها فقط من يُدير دفة الحكم.
وبحسب مصادر متقاطعة، كانت وزارة الخارجية تُوظف في إطار ما سُمي بـ”دبلوماسية النفوذ غير التقليدية” أي شيء يُحقق مصالح الجزائر إفريقيا أو عالميًا، حيث كان يتم التعامل بها مع بعض ساسة وقادة بعض الدول الإفريقية، بهدف كسب تأييدهم، لا سيما عند التصويت في المحافل الدولية مثل الأمم المتحدة، أو منظمة الوحدة الأفريقية.
وقد كانت هذه الخدمات، وفق ما تُشير إليه شهادات غير رسمية، تُمول من ميزانيات موازية تابعة لوزارة الخارجية، وليست مدرجة في الحسابات الرسمية. وقد تم دفع مبالغ مالية كبيرة لها مقابل “ضمان نتائج دبلوماسية ثمينة”، وهو ما يُفسر جزئيًا بعض الفوارق في الميزانيات وغياب الشفافية، لأن التصريح بها يضر بالسياسة الخارجية.
وجملة القول إن الإعانات التي تُقدمها الدول لغيرها، يكون ظاهرها الطابع الإنساني وحسن الجوار لكن باطناها مصالح مؤجلة، ومقاصد استراتيجية، ويُمكن اسقاط 200 مليون دولار التي مُنحت إلى لبنان ضمن هذا السياق نفسه.