في عالم يتسم بتعدد التهديدات العابرة للحدود، تحتل قضية أسلحة الدمار الشامل مكانة محورية في أجندة الأمن والسلم الدوليين. وفي هذا السياق، أكدت الجزائر مجددًا، من منبر الأمم المتحدة، التزامها العميق والمبدئي بالعمل على القضاء الكامل على جميع أنواع أسلحة الدمار الشامل، من خلال دعم القرار 1540 الصادر عن مجلس الأمن، والذي يشكل أحد الأعمدة القانونية الأساسية لنظام عدم الانتشار ونزع السلاح العالمي.
تأتي مداخلة السيد توفيق العيد كودري، المندوب الدائم المساعد للجزائر لدى الأمم المتحدة، لتعيد التأكيد على ثوابت الدبلوماسية الجزائرية في هذا المجال، وتبرز في الآن ذاته التحديات الجديدة التي تواجه المجتمع الدولي في ظل تطور التكنولوجيا وانتشار التهديدات من أطراف غير دولية.
القرار 1540 والسياق الدولي لنزع أسلحة الدمار الشامل
صدر القرار 1540 سنة 2004، في ظل تصاعد المخاوف من إمكانية حصول الجماعات الإرهابية أو الفاعلين من غير الدول على أسلحة نووية أو كيميائية أو بيولوجية. ويهدف هذا القرار إلى منع انتشار هذه الأسلحة عبر وضع التزامات على الدول لمنع إنتاجها أو نقلها إلى أطراف غير حكومية. وقد أصبح هذا القرار جزءًا من هيكل نزع السلاح الشامل الذي تنخرط فيه الأمم المتحدة بمختلف مؤسساتها وآلياتها.
الجزائر، باعتبارها دولة ملتزمة بالسلم الدولي وعضو فاعل في المنظمات الإقليمية والدولية، تؤكد باستمرار على مركزية هذا القرار ضمن جهود الأمن الجماعي، وترى فيه أداة ضرورية لحماية البشرية من الكوارث التي قد تترتب عن الاستخدام غير المشروع لهذه الأسلحة.
موقف الجزائر – مبدأ الالتزام والتعاون الدولي
خلال كلمته أمام لجنة 1540، شدد الدبلوماسي الجزائري على أن الجزائر تولي أولوية قصوى للقضاء الكامل على أسلحة الدمار الشامل، مع التأكيد على أن هذا الالتزام لا يقتصر فقط على الجانب القانوني، بل يمتد إلى الشراكة الفعلية والعمل متعدد الأطراف في سبيل تطبيق القرار على أرض الواقع.
كما أعرب عن استعداد الجزائر للعمل البناء مع جميع الشركاء، في سبيل ضمان تنفيذ القرار تنفيذًا كاملاً، بما يسهم في ردع التهديدات المتزايدة التي قد تنجم عن انتشار تلك الأسلحة، خاصة إذا وقعت في أيدي جهات غير حكومية أو شبكات إجرامية دولية.
التحديات الجديدة – التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي
من النقاط الجوهرية التي أثارتها الجزائر، التطور التقني المتسارع، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، الذي بات يوفر أدوات جديدة قد تُستغل لتطوير أو استخدام أسلحة الدمار الشامل بطرق يصعب تتبعها أو التصدي لها. وأشارت الجزائر إلى أن هذا الوضع يفرض تحديات إضافية على الدول والمجتمع الدولي ككل، ويستوجب تنسيقًا أكبر ويقظة مستمرة لمنع استغلال هذه التقنيات لأغراض عدائية.
حق الدول في الاستخدام السلمي للتكنولوجيا
رغم الإلحاح على محاربة انتشار الأسلحة المحظورة، تدعو الجزائر إلى ضمان التوازن بين الأهداف الأمنية من جهة، والحق المشروع للدول النامية في الاستفادة من التكنولوجيا والمواد ذات الاستخدام المزدوج لأغراض التنمية والتقدم الاقتصادي والاجتماعي من جهة أخرى. وترى الجزائر أن جهود التنفيذ يجب ألا تفرز أعباء غير مبررة أو تقييدات تعرقل حق الدول النامية في بناء قدراتها التقنية.
التعاون الإقليمي والدولي
أكدت الجزائر على أهمية تعزيز التنسيق بين لجنة 1540 والمنظمات الإقليمية، بما في ذلك التعاون مع معاهدة بليندابا الخاصة بإفريقيا الخالية من السلاح النووي، وكذلك الاتفاقية الإفريقية للوقاية من الإرهاب ومكافحته. ويأتي ذلك في سياق حرص الجزائر على ترسيخ مقاربة متعددة الأطراف لمواجهة التحديات الأمنية المتنامية، وفي مقدمتها الإرهاب والشبكات الإجرامية.
و يعكس الموقف الجزائري من قضية أسلحة الدمار الشامل اتساقًا دبلوماسيًا وأخلاقيًا في تبني مبادئ نزع السلاح وتعزيز السلم الدولي، دون التفريط في حق الدول النامية في الوصول العادل إلى التكنولوجيا. وبين التهديدات الناشئة والمبادئ الراسخة، تواصل الجزائر لعب دور الوسيط والمسؤول، إقليميًا ودوليًا، في مواجهة واحدة من أخطر التحديات الأمنية في القرن الواحد والعشرين.