ما قل ودل

انتحار المهنة

شارك المقال

أ.د العربي بوعمامة مدير مخبر الدراسات الاتصالية والإعلامية بجامعة مستغانم
حادتة وادي الحراش شكلت منعطفا خطيرا في علاقة المجتمع بالصحافة، ليس فقط لأنها كشفت عجزا ميدانيا في التعاطي مع مأساة إنسانية، بل لأنها أبرزت نتيجة مباشرة لسياسات إعلامية داخلية استغنت عن التكوين الجاد، وغابت عنها المواثيق الأخلاقية، وتخلت عن مسؤولية ضبط الممارسة المهنية.

المؤسسات الإعلامية التي تكتفي بتوزيع الميكروفونات وامر بالمهمة لمن يطلبها بدون مؤهل جامعي وإرسال فرقها دون أي إعداد معرفي أو توجيه أخلاقي، تتحمل المسؤولية الكاملة عن هذا المشهد. فالصحافة ليست مجرد حضور في موقع الحدث، بل هي وعي بالمسافة المهنية، وقدرة على تحويل الفاجعة إلى خطاب مسؤول يخفف وقعها ولا يزيد من جراحها.

إن ما جرى يعكس انتحارا بطيئا للمهنة من الداخل: مؤسسات تقدم الولاء على الكفاءة، وتستبدل المعايير الأخلاقية بمنطق الاستعراض والسبق السطحي. في مثل هذا السياق، لا غرابة أن يتحول الصحفي من ناقل للحقيقة إلى عبء على الضحايا أنفسهم.

إنقاذ المهنة لا يتحقق بالخطابات ولا بتبرير السقطات، بل بإعادة الاعتبار للتكوين الأكاديمي والمهني، وبإرساء مواثيق ومدونات سلوك داخلية واضحة تفرض على المؤسسات قبل الأفراد احترام قدسية المهنة. فالمطلوب اليوم ليس إصلاحا تجميليا، بل إعادة تأسيس حقيقية تمنع تكرار ما وقع، وتعيد للصحافة وظيفتها الجوهرية: خدمة الحقيقة والإنسان.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram