ما قل ودل

وراثة المشيخة الصّوفيّة و”مِسْبَحَةِ المال والنّفوذ”…خلاف وصراع في الزّاوية البودشيشية بالمغرب

شارك المقال

حسم اليوم بيان “رابطة الشّرفاء البودشيين” الخلاف في من يتولّى مشيخة الطريقة البودشيشية بعد وفاة والد منير ومعاذ -رحمه الله- وشيخ الطريقة في مداغ –بركان- شرق الملكة المغربيّة، فقد تنازل -واعتبر البيان ذلك شرعياً !!!- منير القادري لأخيه معاذ الأصغر.

تابعت منذ أيام هذا الجدل، في الوقت الذي يقيم فيه البودشيشيون الجزائريون جمعهم السّنوي ببعض الولايات وكأن الأمر فعلاً لا يعنيهم (لأنهم يرون أنفسهم الامتداد لسيدي بوتخيل الجزائري)- وهذا صحيح- فاليوم الطّرق الصوفية لها حدودها الجغرافية السّياسيّة، واستقلاليّة بعضها في بلدانها رغم المنبع والمشرب الواحد.

و هذا الخلاف والصّراع الذي حصَل في الزّاوية البودشيشية المغربيّة يعيد طرح قضايا الزّوايا وارتباطاتها بالسّلطة والمال، كما أن موضوع “وراثة المشيْخة” لم يعد روحيّا وعرفانيّاً وتحقيق شرط العلم والسّلوك ومعرفة بشروط المشيخة وعلوم التّزكية، وأنّ الوراثة هي وراثة السرّ وليس وراثة تسيير الأوقاف والممتلكات، فالشيخ الحقيقي المربّي يجمع القُلوب وليس النّقود، ويسعى لرضا ربِّه وليس حكّامه، ويعْمُر الزّاوية بالقرآن الكريم وتدريس العلوم وليس بالسّعي لاستقبال أصحاب الأموال والنّفوذ، والاهتمام بالفقراء والمساكين والمرضى وليس بالمناصب والغنائم، والنّسب الأشرف هو القيام بهذه المهامّ النّبيلة: (العلم والتزّكية وإطعام الطّعام “وكان أحد أجداد البودشيشيين يوزع ّالتشيشة” في أزمنة المجاعات ومن هنا كان هذا اللقب”، وإصلاح ذات البين).

إنّ البودشيشية في المغرب من أبرز الزّوايا التي ترتبط بالعرش ولها نفوذ في التّعيينات، ومن أبرز مريديها وزير الأوقاف أحمد التوفيق، والخلافات التي حصلت فيها تداخلات متعددّة، وظهر من يربط الوريث منير القادري الأكبر بارتباطات دوليّة قد تؤثّر على العلاقة مع العرش، ولكن الأبرز هو المال والسّلطة والنُّفوذ، ولقد كان بعض شيوخها –أجداد منير ومعاذ- ضدّ الاحتلال الفرنسي وحارب ليوطي ومنهم المختار، وكانت زاوية وطنية.

ترتبط القادرية البودشيشية أصلاً وتاريخاً بالشيخ بوتخيل (القرن الرّابع عشر ميلادي) الذي استقرّ بالأبيض سيدي الشيخ وهو من ذرية عبدالقادر الجيلاني، وانتقل أبناء وأحفاد بوتخيل إلى عين الصّفراء، ومن نسْله في القرن الثامن عشر الشّيخ علي بن محمد البوتخيلي البودشيشي الذي سيستقرّ بجبال بن يزناسن (شرق المغرب) وهي بداية تأسيس الزاوية البودشيشية، ثم تأسيسها الثاني بمداغ (بومدين بن المنور) البودشيشي.

أذكر هنا حكاية أحمد البكّاي (شيخ القادريّة الكنتيّة) سأله أبناؤه إلى من نَنْتسِب؟ فقد اختلفت علينا المقالة في ذلك، فبعضٌ يرفع نَسَبنا إلى أهل البيت الشّريف، وبعض إلى بني أميّة، وبعض إلى فِهر (عقبة بن نافع)، فقال لهم: أرجئوني إلى غد أخبركم بنَسَبكم، فلما أصبحوا، غَدوا عليه، فإذا بين يديه جفْنه وقلم ودواة، فقالوا: أخبرنا عن نَسَبِنا؟ فأشار إلى الجفْنة، وقال هذه أمُّكُم، وأشار إلى القَلَم وهذا أبُوكُم، فمن قام منكم بالإنفاق وتحصيل العلم النافع، فنَسبه أعْرق الأنساب، ومن ضيّعها فلانسب له.

ملحوظة: بعد استماعي اليوم لكلمة التنازل من منير القادري لأخيه معاذ تبين من خلال غير المنطوق انه استجاب لأوامر ملكية أو رسمية، وقد يبقى الخلاف فقد اعتبر مشيخة أخيه إدارية وتسييرية لشأن الزاوية أما المشيخة الربانية وسرها فهي للذي أوصى به الوالد رحمه الله، وبالتالي تبقى (المشيخة الباطنية) عصية عن كل تدخل من السلطة الحاكمة، وهو تقابل استراتيجي يفهمه أهل العرفان والذي قرأ تاريخ التصوف وعلاقته بالحاكم والسلطان).

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram