
لا مكان للألوان الرّماديّة، ولا حوار ولا تعايش، لا نقد ولا مراجعة، لا شكّ ولا نسبيّة. أنا: الخير، الحقّ، الصحّ، الطّريق المستقيم،..إلخ، والآخرون: الشّر، الباطل، الكفّار، المبتدعة، غير وطنيين، الحركى، الطابور الخامس، …إلخ، وعيٌ ثنائِي –تناحري يتكاثر ويفرّخ أوبئةً وأمراضاً فتّاكة، وينقل عدواه إلى أجيال جديدة عبر منصّات التّواصل الجديدة أو عبر بعض المنابر الإعلاميّة والدّينيّة وبعض نُصوص المدرسة.
إنّ الثنائيّة الإقصائيّة كانت وبالاً على الإنسانيّة والأوطان والأديان وحرية الثقافة والإبداع، إنها “قبْر الإبداع”، ولقد عاش مرارة نتائجها البشريّة، مثل: حرب الثّلاثين سنة في أوربا (1618-1648) بين الكاثوليك والبروتستانت فكان القتل والدّمار، وظهور الإيديولوجيّات الشُّموليّة (التي نتصّف بها اليوم في وعيِنا الشّقّيّ) التي ترى التّفوّق العِرقي في ألمانيا فكانت الحربان العالميّتان، والاستعمار والاستشراق والإسلاموفوبيا، وكان تاريخنا الدّيني والثقافي الذي أحييناه مع بداية ما يسمّى النّهضة العربيّة !!!! محصوراً في الصّراع بين العقل والنّقل، بين الحداثة والأصالة.
الصّراع والجدل تربة خِصبة للتطوّر والتقدّم، لكن حين تكون صراعاً ثنائياً إقصائيّاً شقاقيّاً فهي قِيعان لا تُنبت كلأً ولا تُسقي عطشاناً، فالهدر والهذر لطاقات معطّلة بوعيها، شقاؤُها في هُويتها التي ضيّقتها في ثنائيّات، مُتعبةٌ بنصوصها الجامِدة أو التي جمّدتها بابتسَارها وانتقائها وتأويلها الفاسِد له.
وعي شقّيٌ مسجونٌ في ذاته، يقسّم تاريخه الأمازيغي المتنوع بين فينيقي أو أمازيغي محتار في نَسبِه التّليد، بين ماسنيسا ويوغوطة، بين اوغسطينوس والدوناتية، بين عقبة بن نافع والكاهنة، بين الإباضية والمالكية، بين عرب وبربر، بين الباديسيّة والصّوفيّة، بين بيان أول نوفمير ومؤتمر الصّومام، بين معرّب ومفرنس، بين قِبلة باريس وقبلة المشْرق، بين الاشتراكية واليساريّة، بين مرجعيّة ووهابيّة-سلفيّة…إلخ، ويُبدع من أجْل الشّقاء والموت الإبداعي في كل عصْر ومع كلِّ جيلٍ “ثنائيّات إقصائيّة”، إنّها الرّحى التي تفسد ما تطحَنُه.
وعيّ يعيد إنتاجه بتخلّف وببُؤس وبشاعة أنصافُ المتعلّمين ومؤرخو الغوغاء، وشياطين النّت، ومن علامات القيامة ” رؤوس الجهّال” الذين يتصدّرون توجيه الرأي العام في الثقافة والدّين والسياسة.
للأسف بعض المؤسّسات بحسن نيّة أو بقصد تصنع لنا “خريطة عرقيّة-إثنيّة”، و”خريطة مللٍ ونِحلٍ”، وهي بذلك تسّمّد تربة ثقافة التّقسِيم التي يبشّر بها “الماك”، “يخربّون بيوتهم بأيديهم”، فلا بصيرة ولا اعتبار ولافهم ولا استراتيجيّة، فقط “أرْ سِيرْ”. كما أنّ تلك الثنائيّات إذا استمرّ الأشقياء، وغاب الحوار والتّعايش والقبول بالرّأي الآخر تكون البنزين الذي يحرقنا جميعاً أو الحافلة المجنونة التي تغرقنا، فما أعْفَنَك يا وادِي الحرّاش “المدنّس” وما أخْنَزَك، اللهم ألْطُلف بنا مِن “شرّ ما خَلَقَ”.