ما قل ودل

محمد السادس أخرج التطبيع من تحت الطاولة…المغرب يتحالف مع إسرائيل حفاظا على ملكه

شارك المقال

شهدت التقاطعات العربية-الإسرائيلية منذ منتصف القرن العشرين تحولات جوهرية ارتبطت بموازين القوى الإقليمية والدولية، والعلاقات الاستراتيجيات بين الولايات المتحدة، إسرائيل، و بعض من الأنظمة العربية. في هذا السياق، برزت حالة المغرب كأحد النماذج التي تعكس تداخل المصالح الأمنية والسياسية، ودور “القوى الناعمة” في إعادة تشكيل مواقف الدول تجاه الصراع العربي-الإسرائيلي.

 الولايات المتحدة والثورات العربية

يرى العديد من الباحثين على غرار البروفيسور الجزائري الخبير في الشأن الجيوسياسي أحمد بن سعادة أن الولايات المتحدة وظّفت آليات “القوة الناعمة” في المنطقة العربية من أجل إعادة هندسة أنظمة الحكم. فقد رعت مبادرات تحت شعار “تصدير الديمقراطية”، لكنها في الواقع ساهمت في زعزعة استقرار أنظمة غير متوافقة مع مصالحها الاستراتيجية، ما جعل بعض هذه التحركات أقرب إلى “انقلابات ناعمة” منها إلى ثورات شعبية خالصة.

 الحسن الثاني ساهم في بناء الكيان الصهيوني من خلال التهجير القسري لليهود

عرف المغرب تاريخياً وجوداً يهودياً عريقاً تجاوز 265 ألف نسمة عند قيام دولة إسرائيل عام 1948. وقد بدأت الهجرات الكبرى منذ ذلك التاريخ، ثم تسارعت بعد استقلال المغرب سنة 1956، لتبلغ ذروتها مع بداية ستينيات القرن العشرين. تشير مصادر مختلفة إلى أن النظام المغربي سمح بتسهيل هذه الهجرات، أحياناً عبر صفقات مالية تضمنت مبالغ دُفعت مقابل تهجير كل فرد.
وفي هذا الإطار، لعبت منظمة صهيونية سرية أدواراً محورية في تنظيم العملية، في ظل تعاون وثيق مع أجهزة الموساد، الأمر الذي مثّل عاملاً حاسماً في تعمير إسرائيل بموجات الهجرة المغربية, و لم يكن تفريغ المغرب من جاليته المغربية لولا تدخل الحسن الثاني الذي لعب دورا محوريا في بناء مجتمع يهودي لعب فيه اليهود السيفاراد المغاربة دورا رئيسيا في بقاء ما يسمى بالكيان الصهيوني.

المغرب كان الحلقة الرئيسية في استراتيجية “البيريفيري”

اعتمد رئيس الوزراء الإسرائيلي دافيد بن غوريون سياسة “البيريفيري” (Periphery Doctrine)، القائمة على بناء تحالفات مع أطراف غير عربية كإيران وتركيا وإثيوبيا، إضافة إلى بلدان إفريقية وجنوب إفريقيا زمن الأبارتايد. كان المغرب جزءاً من هذه المقاربة عبر قنوات سياسية وأمنية غير معلنة. كما وظّفت إسرائيل علاقاتها مع الأقليات في المنطقة العربية، مثل الأكراد في العراق أو بعض الحركات الانفصالية كما يحدث حاليا مع حركة الماك الإرهابية التي يريد المشرفون عليها زعزعة الاستقرار في الجزائر, حيث أن مسؤولها الأول أظهر علنا تحالفه مع الصهاينة من خلال زياراته المتكررة لإسرائيل و التقائه بالمسؤولين خلال تلك الزيارات.

 المغرب والموساد … من قمة الدار البيضاء إلى اغتيال بن بركة

يُعتبر التعاون المغربي-الإسرائيلي في ستينيات القرن الماضي مثالاً واضحاً على تداخل الأمني بالسياسي. ففي القمة العربية بالدار البيضاء (1965)، سهّل الملك الحسن الثاني وصول عناصر الموساد إلى جلسات حساسة، مكّنت إسرائيل من الحصول على تسجيلات ومعلومات استراتيجية ساهمت في نجاحها في حرب 1967.
كما ارتبط اسم الموساد في تلك الفترة باغتيال المعارض المغربي المهدي بن بركة في باريس، في عملية تورطت فيها أجهزة فرنسية، وجاءت في سياق صراع حول توجهات المغرب السياسية المعارضة لكل شكل من أشكال حركات التحرر في إفريقيا والعالم الثالث و التي كان يدعمها طرح بن بركة.

 التطبيع علنا جاء تجسيدا للخيارات الاستراتيجية للمغرب

ظل المغرب، منذ عهد الحسن الثاني، لاعباً أساسياً في الوساطات السرية بين إسرائيل وبعض الدول العربية، بما فيها مصر خلال مسار “كامب ديفيد”, أين يقول الخبير الأمني أحمد بن سعادة خلال حوار مقتضب مع ميشيل كولون في حصة “ميشيل ميدي” أنه لولا الجلسات السرية في الدار البيضاء التي حرص عليها الحسن الثاني مع المسؤولين المصريين لما تمخضت معاهدة كامب ديفيد.
أما في عهد الملك محمد السادس يضيف بن سعادة أن التطبيع تحول من السر إلى العلن مع توقيع اتفاقيات التطبيع سنة 2020، في إطار ما سُمّي “اتفاقيات أبراهام”. ويُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها ثمناً سياسياً مقابل اعتراف أمريكي بسيادة المغرب على الصحراء الغربية.

 البعد الأمني والتكنولوجي…قضية “بيغاسوس” و المسّيرات

أحد أبرز تجليات التعاون المغربي-الإسرائيلي في العقد الأخير هو حصول المغرب على برنامج التجسس الإسرائيلي “بيغاسوس”، عبر شركة NSO. وقد وُجّهت اتهامات باستخدامه ضد آلاف الشخصيات الجزائرية والفرنسية، بما في ذلك الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مما أثار جدلاً واسعاً حول حدود الاستخدام السياسي للتكنولوجيا الأمنية, بما في ذلك استفادة المغرب جراء التعاون العسكري مع الكيان المحتل على العديد من المسيرات التي قامت إحداها باغتيال ثلاثة تجار جزائريين خلال رحلتهم البرية نحو الحدود الموريتانية, و هكذا أظهر المغرب من خلال تحالفه مع الصهاينة نية عدائية يبيتها لكل ما هو جزائري, في حين يلعب من الجهة المقابلة دور الضحية و يمد يديه للصلح مع الجزائر الذي يريده على طريقته باستقدام الجيش الصهيوني نحو حدود غيره مقابل تزكية لاحتلال أراضي غيره.

المغرب يرعى التطبيع حفاظا على استقرار نظامه السياسي

تُبرز دراسة العلاقات المغربية-الإسرائيلية كيف نجحت إسرائيل، منذ خمسينيات القرن الماضي، في توظيف التحالفات السرية، الهجرات اليهودية، والاختراقات الأمنية، لبناء موقع استراتيجي في شمال إفريقيا. أما المغرب، فقد اتخذ هذه العلاقة كأداة لضمان استقرار نظامه السياسي وتعزيز موقعه الإقليمي، ولو على حساب الانسجام العربي.
وبينما يريد بعض المحللين المغاربة إيهام الرأي العام لديهم و الدولي أن التطبيع يمثل خياراً براغماتياً لحماية مصالح الدولة، يرى آخرون من عيار الخبير الأمني الجزائري أحمد بن سعادة أنه يُضعف وحدة الصف العربي ويُكرّس اختراقاً صهيونياً مستمراً في المنطقة. في المقابل، تبقى الجزائر على الطرف النقيض، برفضها أي تطبيع، متمسكة بخيار دعم حركات التحرر ومقاومة الاختراق الإسرائيلي أينما كان و حيثما وجد.

الإعلام الإسرائيلي يحتفي بذكرى الحسن الثاني

لا يزال الإعلام الإسرائيلي كلما يتعّرض لذكرى النصر الزائف لقوات جيش التساحال في حرب الستة أيام يستذكر مساهمة الحسن الثاني في هذا النصر, أين أكّدت إحدى الصحفيات خلال تقرير إعلامي في قناة “i24NEWS” العبرية, أنه لولا التسجيلات التي سلمها العاهل المغربي الأسبق لأجهزة الموساد لما جرى سريا ما بين الزعماء العرب في القمة العربية لسنة 1965 التي جرت في فندق “حياة ريجنسي” بالدار البيضاء, لما أدار الجيش الإسرائيلي الحرب بالنحو الذي انتهت عليه, و لهذا يعتبر الإسرائيليون الحسن الثاني بطلا قوميا, حيث أقيم له نصب تذكاري في إسرائيل, كما سّمي شارع رئيسي باسمه عرفانا لما قدّمه هذا العاهل ذات مرة لفائدة الكيان الصهيوني.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram