
الأستاذ العربي بوعمامة أستاذ باحث بجامعة مستغانم
تاريخ مؤسساتنا حافل بالشواهد التي تؤكد أن الانحراف لا يصنع دائماً من القمة وحدها، ولا يقتصر على المسؤول المغادر أو الذي أنهيت مهامه، بل كثيراً ما تتحمله البطانة المحيطة به. فهذه البطانة تزّين الأخطاء، وتبرر الانحرافات، وتدعي النصح فيما هو تضليل، لتضعنا أمام سؤال جوهري: أين يبدأ الإصلاح؟.
بطانة السوء كانت ولا تزال سبباً مباشراً في انحراف مسارات الأفراد والجماعات والمؤسسات، إذ تغذي الزلات، وتبرر الأخطاء، وتلبسها ثوب النصح المزيف. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا النمط من التزييف في قوله تعالى على لسان إبليس مخاطباً آدم وحواء: {وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين}، وهو دليل بالغ على كيف يستعمل خطاب النصح أداة للتضليل والخداع.
غير أننا في واقعنا المعاصر أصبحنا نضع كل اللوم على المسؤول المغادر، متجاهلين أن كل من كان معه في موقع القرار شريك في المسؤولية أيضاً. فالموظف أو الإطار الذي لم يكن مقتنعاً بخطة العمل، كان الأجدر به أن يتحلى بالشجاعة ويستقيل، لا أن يبقى متخفياً في موقعه. فبقاء هؤلاء أخطر على المؤسسات من أي تقصير قد ينسب إلى المسؤول المغادر أو المنتهية مهامه ، لأنهم يعّطلون الإصلاح من الداخل ويفرغون القرارات من مضمونها.
حين تتحول المراسيم إلى تبرير للبقاء..
ويزداد خطر بطانة السوء حين يتحصن أفرادها بمقررات التعيين الصادرة بمرسوم، فيجعلون منها سببا للبقاء في مواقعهم لا لخدمة المرفق العام.لكن للحفاظ على المسار المهني، الذي لا يعكس في حقيقته سوى رغبة جامحة في الحفاظ على دوام المرسوم وامتيازاته، وتحويله إلى مبرر للبقاء في المنصب مهما كان الثمن، حتى وإن كان ذلك على حساب تعطيل الإصلاح وإفراغ المؤسسات من طاقتها الحقيقية.
ولهذا فإن الإصلاح الحقيقي يبدأ من تنقية المحيط القريب من أصحاب الأهواء والمصالح، وإحلال أهل الرأي السديد والمشورة الصادقة محلهم.حتى تبقى مؤسساتنا لخدمة الصالح العام ولا نفوت فرصة النقلة النوعية المنشودة. ومع ذلك، يظل الأمل قائماً بأن التغيير ممكن، متى ما استعدنا الثقة في أهل الكفاءة، وتقدمت المصلحة العامة على كل اعتبار ضيق. فالأمل موجود، وإن شاء الله الغد أفضل.