
العربي بوعمامة استاذ الاتصال السياسي بجامعة مستغانم
لم أجد ما أكتبه هذه المرة من خلال متابعة قضيتين مختلفتين لكنهما تعكسان ملامح التحول في واقعنا.
القضية الأولى تتعلق بالمدرسة العليا للأساتذة بوهران، حيث برزت إشكالية التعيين في المناصب العليا، وما يرافقها من جدل حول ضرورة تحديد ضوابط واضحة، مثل ضمان الكفاءة العلمية، والتوافق والإجماع داخل الوسط الجامعي. إن اعتماد هذه المعايير يساهم في تقليص النزاعات، ويحد من الإقصاءات التي عرفتها بعض الكليات والجامعات، كما يقلل من تسلط بعض المعينين الذين يفرضون أنفسهم بعيدا عن منطق التوافق، على أن يكون من بين الشروط أيضا تحديد السن بألا يتجاوز مثلا ستين سنة.
أما القضية الثانية فتخص ما يمكن تسميته بالمراهقين والقارب، حيث لم يكن هدف هؤلاء الشباب مقتصرا على خوض التجربة بحد ذاتها، بل ارتبط منذ البداية بعملية إنتاج الفيديوهات وتوثيق تفاصيل الرحلة كاملة من لحظة الانطلاق حتى الوصول، ليتم بثها بكثافة عبر منصات التواصل، وعلى رأسها تيك توك.
ومن منظور إعلامي وسوسيولوجي، فإن هذا السلوك يعكس تحولا نوعيا في تمثلات الشباب: إذ لم تعد التجربة تعاش كحدث واقعي فقط، وإنما أعيد بناؤها ضمن فضاء رمزي واتصالي يتحكم فيه منطق المشاهدة والإعجاب والمشاركة, وهذا ما يكشف انتقال الممارسة من الفعل المادي إلى صناعة المحتوى وتداوله بوصفه رأسمالا رمزيا جديدا.
ومن هنا يطرح سؤال جوهري: ما جدوى الوكالات الموضوعاتية ومراكز البحث والمخابر إذا كانت غائبة عن تحليل وتشريح مثل هذه الظواهر؟ خاصة وأن كثيرا منها يعيش بدوره حالة من التدافع الداخلي من أجل التموقع بدل الانفتاح على دراسة هذه التحولات في أبعادها الاجتماعية والثقافية.
إننا نعيش فعلا حالة انفصال بيننا وبين هذا الجيل الجديد: فهل نعرف ماذا ينشرون؟ وماذا يطمحون؟ وأي قيم يصنعون داخل عالم الميديا الجديدة؟ إنها فجوة قيمية واتصالية تستحق الكثير من التأمل. وسنعود إلى هذا الموضوع….