
منذ الاستقلال حاولنَا استرجاع رمزيّات الأمكنة بأسماء جزائريّة وعربيّة، دون الالتفات إلى خصوصيّة المكان وتاريخه وقيمة أبطال وتاريخ ساكنة ذلك المكان، كما أنّ بعض التّماثيل والنُّصب وضعت بشكل ارتجالي وعشوائي في مَداخِل المدن (مثل تمثال طاير العقُاب في مدخل سعيدة ظنّاً منهم أن المدينة تسمّـت على العُقاب، وتغافلوا عن تسمية “اليعوقبية” ومنها “العقبان” والتي لا علاقة لها بالطّير ولكن بالقبيلة).
كما أنّ هناك نِسيان وجهل ببعض العلماء والفقهاء الكِبار الذين يَستحقِّون أن تتسمّى بهم بيوت الله، فلا يُعقل أن يُسمّى أكثَر من مسجد في مدينة أو ولاية واحدة باسْم صحابي واحد، فالجزائر تحفَل بعشرات المدارس العلميّة التّاريخيّة وكان بها أساطين العلم والصّلحاء، ففي العاصمة مثلاً كم مؤسسة دينية وعلميّة باسم عبدالحليم بن سماية، وابن زكري، والمجاوي، وقِسْ على ذلك بقية مدن وأرياف الجزائر وللأسف يتركون لجمعيّات المساجد قبل البناء اختيار الأسماء.
كما أنّ لجان التسميّة الرّسمية لا تستشير المؤرّخين والأساتذة،وعلينا أن نحافظ على بعض التّسميات الشّعبيّة القديمة التي فيها الدّلالة والعُمق التّاريخي، وأذكر مثالاً هنا مررت يوماً في طَريقي نحو وهران عبر طَريق أرزيو-وهران، ووجدت لوحة مكتوباً عليها “جبل اكْهَرْ” وتَرد الكلمة في أشعار شعبيّة قبل الاحتلال وهي لفظة زناتيّة، ففرحت ولكن بعد مدّة نزعتها البلديّة وكتبت بدلها “جبل الأسود” وهي ترجمة للتسميّة الفرنسيّة.
تذّكرت نادرة تحدّث عنها الشيخ المهدي البوعبدلي -رحمه الله- وأنقل لكم نصّها: “ما نَنتظره أن لا يتسرّع بعض الجهَلة إلى إنشاء أسماء لبعض القُرى لا صلة لها بالواقع التّاريخي كالقرية القريبة من هذه المنطقة (يقصد بطّيوة) التي أطلقوا عليها اسم: “مرسى الحجّاج”، وكان الفرنسيون يُطلقون عليها اسم “مرسى الدجاج” Port-Aux-Poules ..
وبعد الاستقلال ارتجل بعض المسؤولين المحلّيين اسم الحجّاج بدل الدّجاج، ولم يوفَّق وأراد أن يظهر معلومات جديدة في اللغة، فلما كانت بالفرنسيّة يضاف إليها “S” للدّلالة على الجمع، فزاد هذا المسؤول “س” سين في آخر الكلمة العربيّة فأصبحت “مرسى الحجّاجس” وكتبت بأحرف غليظة في مدخل البلدة، وسين “س” آخر الحجّاج حيّرت القارئ بالعربية”, أكيد تعرفون بعض هذه المهازل والنّكت في التّسميات في بلدياتكم ومدنكم وأحيائكم؟ أذكروها لنا.