
أكبر وباءٍ أصابَ المجتمعات في السّنوات الأخيرة من العصر الرّقمي “وباء الكراهيّة” والتّلاعب بالعواطِف وتأجيجها في “غُرفِ الصَّدى”، ويزداد انتشار هذا الوباء في بيئة تعليميّة وثقافيّة لم تستطع التّغَلُّب على “الأميّة المعلوماتيّة” و”الأميّة الرّقميّة”، وظلّت رهينة لدروس في التّربيّة والتّاريخ والدّين تحتاج إلى المراجعة وإعادة تصوّر كيفيّة تقديم قضايا الهُويّة والذّاكَرة.
وللأسف بعض السّلطات العربيّة تُساهم في تخريب بيوتها بأيديها عندما تنقل “الهُويّة” إلى السّاحة السيّاسية (مثال ترسيم يوم وطني أو ديني إرضاء لهذه الجِهة أو تلك) وتَفهم الانتماء الّلغوي كلِسان وليس كثقافة وقيم قد تشارك فيها مجموعات تنطق بلغات مختلفة، وهذا الإدراك القاصِر للذّاكرة والهُويّة هو ما يجعلنا ننتقل مثلاً من الحديث عن “الثّورة التحريرية” كقِيمة مُشتركة جامعة إلى الخِلاف في تقييم الشّخصيّات التّاريخية والبيانات والمؤتمرات، وقِسْ على ذلك قراءتنا لتاريخنا القريب أو البعيد.
لقد نظّم الجيش الوطني الشعبي الجزائري وهيئات أخرى ندوات وورشات عن “الأمْن السيبراني” و”الأجيال الرّقميّة” ولكن ذلك لم تصاحبه مشاريع استراتيجية في القطاعات المعنيّة، كما أنّ مفهوم “الوطنيّة” عند بعضهم تَعني الكذب والتدليس في مواقفنا تُجاه الآخرين، وهم بذلك يُساهمون في انتشار “وباء الكراهيّة” دون وعيٍ منهم.
نحتاج إلى ثورة في المفاهيم وتجديد علمي في رُؤيتنا للهوية والذّاكرة، وقضَايا السّلطة والدّيمقراطية، والإدراك الواعي للتّهديدات القادِمة.
إنّ أوبِئة: (المعلومات الكاذبة، والتّلاعب بالعواطف القوميّة والدّينية، والتطرّف القومي والدّيني والعرقي..) كلّها تَصبّ في وادي الكراهيّة العفِن والعُنف والتّفتيت للأوطان، ونحن نحتاجُ اليوم إلى “مواطَنَة رقْمِيّة” ما بعد مفاهيم “المواطَنة والوطنية التّقليديين”، وقد قال أحد الفلاسفة المعاصرين: “الكراهيّة هي الدّم المتخَثّر”.