تُظهر مسيرة الدبلوماسي الجزائري عمار بن جامع مثالاً حياً على كيف يمكن للإرادة الفردية والانضباط المكتسب من الخدمة الوطنية أن يشكلا قاعدة صلبة للانخراط في العمل الدبلوماسي، حيث يتداخل الواجب الوطني العسكري بالواجب السياسي والدبلوماسي، في مسار يترجم صورة الجزائر الحديثة في البحث عن الكفاءات.
بدأ عمار بن جامع مشواره عبر أداء الخدمة الوطنية، تلك المدرسة التي اعتُبرت عبر العقود حجر أساس لتكوين أجيال من الجزائريين على قيم الانضباط، الصبر، وحس المسؤولية، فالتجربة العسكرية لم تكن محطة عابرة في حياته، بل شكّلت بدايات وعيه بضرورة تمثيل الدولة والدفاع عن مصالحها بطرق أخرى أكثر هدوءاً ولكن لا تقل أهمية: الدبلوماسية.
انتقل بن جامع إلى وزارة الشؤون الخارجية في وقت كانت الجزائر بحاجة إلى أصوات جديدة تحمل روحاً عملية وأخرى مؤسساتية. داخل أروقة الوزارة، وجد نفسه أمام تحديات مغايرة تماماً لما عاشه في الخدمة الوطنية: ملفات سياسية معقدة، مفاوضات متعددة الأطراف، وإدارة لحساسيات إقليمية ودولية. غير أن الانضباط الذي اكتسبه ساعده في فهم قواعد اللعبة الدبلوماسية: الإصغاء، التفاوض، وحماية المصالح العليا للبلاد.
لم يكن دور عمار بن جامع مقتصراً على حضور اللقاءات الرسمية أو ترديد المواقف المعروفة للجزائر، بل كان حاضراً أيضاً في الكواليس: إعداد الملفات، صياغة المذكرات، وتقديم المقترحات التي غالباً ما تُبنى عليها مواقف رسمية لاحقة. هناك، بعيداً عن عدسات الكاميرات، مارس دبلوماسية الظل، حيث تُصنع القرارات وتُطبخ المواقف.
يمثل بن جامع نموذجاً لطبقة من الدبلوماسيين الجزائريين الذين جمعوا بين التجربة الميدانية العسكرية وبين الاحتراف السياسي، مما منحه قدرة على التوفيق بين الحزم والمرونة. فهو يعرف متى يستخدم صرامة الجندي ومتى يوظف دهاء المفاوض، وهي معادلة دقيقة في عالم السياسة الدولية.
فمسار عمار بن جامع ليس مجرد انتقال من الخدمة الوطنية إلى مكاتب وزارة الخارجية، بل هو رحلة تحول تعكس طبيعة الدولة الجزائرية نفسها: من الدفاع عن الأرض بالسلاح إلى الدفاع عن المواقف بالكلمة. وبين الانضباط العسكري والكفاءة الدبلوماسية، يظل اسمه شاهداً على جيل من الكوادر الذين أدركوا أن خدمة الوطن لها أكثر من وجه وأداة.