
أد. عبد القادر بوعرفة/ جامعة وهران2
أثارت قناة العربية (؟؟) منذ أيام جدلاً حول وجود تعاون جزائري عراقي يستهدف مصر، عبر إذاعة تسجيل قصير للرئيس جمال عبد الناصر، حيث أشار أن وزير الخارجية السيد عبد العزيز بوتفليقة والرئيس صدام الحسين قد اجتمعا بغية التآمر على مصر.
بينما تناست القناة عشرات التسجيلات للرئيس جمال عبد الناصر يذكر الدول التي وقفت مع مصر سواءً بالمال أو السلاح، بعد نكسة جوان 1967. إذْ إنّ الوثائق الأولية لوزارة الخارجية الأمريكية (FRUS)، إلى جانب مصادر عسكرية مصرية، وأمريكية، وتصريحات العديد من الأولية والجنرالات (مصر) تؤكد أنّ الجزائر قدّمت دعمًا شاملاً يفوق ما قدّمته الكويت وليبيا مجتمعَتين، سواء من حيث السلاح أو المال أو الموقف السياسي، متجاوزةً في ذلك التحديات الداخلية التي واجهتها بسبب حداثة استقلالها (1962).
أولاً: المساعدات العسكرية
منذ الأيام الأولى للهزيمة، سارعت الجزائر إلى مدّ مصر بدعم نوعي تمثّل في:
- الطائرات المقاتلة: تفيد التقارير أنه بتاريخ 9 يونيو 1967 وصلت من الجزائر إلى مصر 27 طائرة ميغ-17 ، و4 طائرات ميغ-21، بحسب وثيقة رسمية من وزارة الخارجية الأمريكية (FRUS, 1985). وفي تقرير عسكري لاحق، يذكر بعض الجنرالات المصريين لا سيما اللواء وصفي بشارة ، أنّه سافر مع وفد على الجزائر، وتم منحهم 40 طائرة ميغ-17 جزائرية كانت ما زلت لم تركب (كما صرح ما زلت جديدة ومُفككة)، حيث تم تركيبها في مدة قصيرة، استعملت بعد النكسة لضرب مناطق صهيونية بسيناء.
- المدرعات والمدفعية: في 6 يونيو 1967 حمّلت الجزائر سفينة متجهة إلى القاهرة كتيبة مدفعية مكونة من مدافع عيار 122 ملم و152 ملم، وبطاريات دفاع جوي، وأيضا شحنة من بالدبابات، حددها جمال عبد الناصر في خطابه ب 100 دبابة (FRUS, 1985).
- المقاتلون والكوادر: أرسلت الجزائر سرب طيارين متطوعين وكتيبة مدرعات، إضافةً إلى وحدات قتالية شاركت ميدانيًا في الجبهة المصرية (Cooper & Nicolle, 2009).
ثانياً: الدعم المالي
إلى جانب السلاح، التزمت الجزائر بدعم مالي ضخم:
- خصّصت الجزائر 500 مليون دولار لدعم المجهود الحربي المصري، وهو مبلغ هائل بمقاييس تلك الفترة، ويفوق أضعاف ما قدّمته الكويت وليبيا (10 ملايين جنيه لكل منهما، أي نحو 23.8 مليون دولار) (هيكل، 1990).
- ساهمت الجزائر أيضًا في تمويل صفقات السلاح المصري مع الاتحاد السوفيتي، حيث كانت القاهرة تواجه أزمة اقتصادية خانقة (Cooper & Nicolle, 2009).
ثالثاً: الموقف السياسي والدبلوماسي
لم يقتصر الدور الجزائري على السلاح والمال، بل تجلّى أيضًا في:
- تبنّي خطاب ثوري صارم ضد إسرائيل والغرب في المحافل الدولية (أرشيف وزارة الإعلام الجزائرية، 1967–1973).
- حشد الدعم العربي والإفريقي لمصر وفلسطين بقيادة الرئيس هواري بومدين.
- الموقف المتشدد في قمة الخرطوم (1967) المعروفة بـ”قمة اللاءات الثلاث”، حيث كان الموقف الجزائري من أشد المواقف رفضًا لأي تسوية سلمية (هيكل، 1990).
رابعاً: من النكسة إلى حرب أكتوبر
استمر الدعم الجزائري لمصر بعد 1967 وصولًا إلى حرب أكتوبر 1973:
شاركت الجزائر بقوات جوية وأرضية في العمليات العسكرية (Cooper & Nicolle, 2009).
وتكفلت الحكومة الجزائرية بشكل كامل بنفقات قواتها المرابطة في مصر، حيث أودعت مبالغ طائلة في مصرف مصري من الخزينة الجزائرية لتمويل عملياتها وإعالة جنودها، واستمر هذا الدعم حتى عام 1975.
جملة القول
تظهر الوثائق الرسمية (FRUS) والشهادات العسكرية المصرية والأمريكية أنّ الجزائر كانت الداعم الأكبر لمصر بعد نكسة 1967، إذ جمعت بين الدعم العسكري والمالي والسياسي، حيث إنّ الموثّق رسميًا يثبت أن الجزائر قدّمت دعمًا نوعيًا وماليًا يفوق بكثير ما قدمته الكويت وليبيا. إنّ هذا الدعم، الذي استمر لسنوات وتم تقديمه على حساب التحديات الداخلية للجزائر وأمنها الإقليمي، شكّل رافعة أساس لإعادة بناء الجيش المصري تمهيدًا لنصر أكتوبر 1973.
الهوامش:
- Aboul-Enein, Y. H. (2013). Egyptian General Mohamed Fawzi – Part VI: Plans …. Infantry Magazine, U.S. Army, May–June. Fort Benning.
- Cooper, T., & Nicolle, D. (2009). Arab MiGs, Volume 1: Mikoyan i Gurevich MiG-15 and MiG-17 Fighters in Service with Arab Air Forces, 1955–1969. Harpia Publishing.
- Foreign Relations of the United States (FRUS), 1964–1968, Volume XIX: Arab–Israeli Crisis and War, 1967, Doc. 266. (1985). Washington, D.C.: U.S. Government Printing Office.
- هيكل، محمد حسنين. (1990). الانفجار 1967. القاهرة: الأهرام.
- خطب الرئيس هواري بومدين.