أصبح التصرف النبيل الذي صدر من سائق الطائرة الرئاسية الفنزويلية اتجاه رئيسه من خلال رفضه الرضوخ لخيانة بملايين الدولارات -قيل بأنها فاقت الخمسين باكو- مقابل تسليم رأس نيكولاس مادورو للاستخبارات الأمريكية حديث العام و الخاص في عالمنا الحاضر و سيظل يضرب به المثل في عالم المستقبل بدون شك.
فتصرف قبطان الطائرة الرئاسية الفنزويلية أثبت على عكس العادة بأن عدم الخيانة يمكن أن يكون بلا عنوان على عكس العناوين التي تفّنن في وضعها البعض كتبرير لخيانة العهد ليس فقط من خلال علاقة المرؤوس برئيسه, بل من خلال الاستفادة المادية و إدارة الظهر لكل ما هو معنوي الذي طالما يتم تصنيفه عمدا أو عن غير عمد من قبل البعض في خانة الميتافيزيقا, و كل ما يتم إلصاقه فلسفيا بدعائم مدينة أفلاطون الفاضلة.
فذات الطيّار بتصرفه النبيل يكون قد سبق به ما قبل عصره و عصره و حتى ما بعد عصره, حتى أنه يمكن تصنيف تصرفه بالميثاق الغليظ الذي تمسك به الحواريون مع عيسى ابن مريم باستثناء صاحب الخيانة ذات العنوان “يهوذا الإسخريوطي”.
فرفض الطيار الرئاسي الفينزويلي رشوة بملايين الدولارات مقابل الهبوط بالطائرة الرئاسية في أحد القواعد العسكرية الأمريكية من أجل اعتقال مادورو كما أشارت بذلك كبريات الصحف الفيزويلية و الذي تفادى الإعلام الأمريكي التعرض له نظير الفشل الاستخباراتي الذريع, لم يكسب من خلاله هذا المواطن الصالح رضى رئيسه فقط, بل كسب من ورائه احترام العالم بأسره, حين جنّب بلاده خراب و فوضى كانت ستظل مشتعلة لسنوات عديدة إن صّحت مثل هكذا خيانة التي نقصها عنوان فقط.
و أنا أكتب هذا العمود اليوم معّلقا على نبل هذا الطيّار الفنزويلي الذي قيل بأنه لم يكن لا من عشاق مادورو و لا من المطّبلين لعهده, بل بالعكس يعتبر من أشّد المعارضين لحكمه, لكن رغم عدم دوران فلك مادورو على ما تشتهيه رياح تفكير قائد الطائرة الرئاسية, إلّا أن ذاك لم يجعل الطيّار يخلط سياسة بلاده بحب وطنه, استحضرت حينها عناوين الخيانة للعديد من المعارضين الذين لبسوا ثوب المؤثرين و باتوا كل يوم يبيعون و يشترون في أوطانهم, حتى أن البعض بات يتمنى أن تقع بلاده لقمة سائغة بين أنياب الأعداء مقابل حفنة من اليوروهات أو الدريهمات.
و ما يسعنا من خلال هذا التصرف النبيل سوى القول بأن القبطان الفينزويلي أخجل تصرفات المعارضين في كل مكان و زمان, فما أسعد مادورو بربان سفينته الرئاسية و من هم على شاكلته, و ما أحوجنا لحدائق تنبت مثل هكذا فواكه بشرية.