
أ.د عبد القادر بوعرفة / جامعة وهران 2
يبدو في اعتقادي أن مخرجات مجلس الأمن حول قضية الصحراء الغربية أدي إلى وضع القضية في حقلٍ شائكٍ يجمع بين مبدأ تقرير المصير بوصفه قاعدةً قانونية كونية، وصيغة الحكم الذاتي بوصفها محاولةً لتأويل ذلك المبدأ ضمن سيادة دولة قائمة بالقوة.
وتكشف وثائق الأمم المتحدة أن الإقليم ما يزال مصنّفًا كإقليمٍ غير متمتعٍ بالحكم الذاتي. وعليه, فهو له وضع «منفصل ومتميّز» إلى أن يُمارس شعبه حقه وفق الميثاق الدولي ومبادئه.تدلّ قرارات مجلس الأمن الحالية على تحوّلٍ معياريٍّ واضح، ظاهره يسعى إلى البحث عن حلٍّ سياسيٍّ واقعيٍّ ودائمٍ قائمٍ على التوافق، دون اشتراط نموذجٍ بعينه لتجسيد تقرير المصير. لكنه باطنه اصطفاف أمريكي – فرنسي حول مقترح المخزن.
وتستند هذه القراءة إلى القرارين 2756 (2024) و2797 (2025) وما رافقهما من بيانات تصويتٍ تعكس ملامح الاتجاه الأممي الراهن.
ترتكز المقاربة على مبدئي الجمعية العامة 1541 (د-15) المتعلق ببلوغ «القدر الكامل من الحكم الذاتي» عبر الاستقلال أو الارتباط الحر أو الاندماج، و2625 (د-25) حول العلاقات الودية الذي يوسّع مفهوم تقرير المصير ليشمل أبعاده الداخلية. كما تُستحضر مبادرة الحكم الذاتي المغربية لعام 2007 بوصفها عرضًا تفاوضيًا يحدّد توزيع الاختصاصات، وضمانات الحماية المؤسسية والحقوقية.
– ما الإطار القانوني؟
تُبيّن مبادئ القرار 1541 أن ممارسة تقرير المصير تتخذ ثلاث صيغٍ ممكنة: الاستقلال، أو الارتباط الحر، أو الاندماج، شرط أن تنبثق عن إرادةٍ شعبيةٍ حرّةٍ مضمونةٍ بآلياتٍ ديمقراطيةٍ قد تشرف عليها الأمم المتحدة.
ويقرّ إعلان العلاقات الودية 2625 بأنّ كلّ الشعوب تملك حرية اختيار مركزها السياسي ومتابعة تنميتها، وأنّ الصيغ الداخلية لتقرير المصير جزءٌ أصيلٌ من هذا الحق.
أمّا توصيف الأمم المتحدة للصحراء الغربية كإقليمٍ غير متمتعٍ بالحكم الذاتي، فيؤكّد أنّ المنطلق القانوني هو إتاحة تعبيرٍ حرٍّ وصادقٍ عن إرادة السكّان الأصليين قبل تحديد الوضع النهائي.
يُظهر الفقه الدولي والممارسة الأممية أن الحكم الذاتي قد يشكّل تجسيداً لـ«التقرير الداخلي للمصير» متى جاء ثمرةَ تفاوضٍ وموافقةٍ حرّةٍ ومؤطّراً بضماناتٍ دستوريةٍ ومؤسسية. (ويبدو هذا الشرط لحد الساعة مستحيلا لاعتقادنا أن البوليساريو سترفضه).
ويؤكّد مجلس الأمن في قراراته الأخيرة أنّ الحلّ الواقعي القائم على التوافق يمكن أن يوفّر ترتيباتٍ تُحقّق جوهر تقرير المصير، وهو ما يفتح الباب أمام صيغٍ تفاوضيةٍ للحكم الذاتي بوصفها مسارًا مشروعًا لا يتناقض بالضرورة مع المبدأ الأممي، شريطة موافقة طرفي النزاع.
– ما الفرق بين الحكم الذاتي وتقرير المصير؟
1- تقرير المصير الخارجي: يقوم على القرار 1541 بوصفه أحد مسارات «القدر الكامل من الحكم الذاتي»، ويتطلّب تعبيرًا حرًا أصيلاً عن إرادة الشعب في الإقليم، عبر آليةٍ نزيهةٍ تشرف عليها الأمم المتحدة.
2- الحكم الذاتي الداخلي: يرتكز إلى إعلان 2625 حين يضمن تمثيلاً ومشاركةً فعالةً وحكمًا ذاتيًا جوهريًا ضمن الدولة (طرف الصراع)، شريطة الموافقة الحرّة والإطار الدستوري الضامن لسلطاتٍ منتخبة.
– ما شروط الحكم الذاتي؟
يُنشئ الحكم الذاتي سلطاتٍ تنفيذية وتشريعية وقضائية محلية تدير الشؤون الداخلية، وتُناط بالدولة المركزية وظائف السيادة العليا: الدفاع، السياسة الخارجية، العملة، الرموز الوطنية، والشأن الديني.
ويضمن حماية الحقوق والحريات وخصوصية الهُويَّة الصحراوية في إطارٍ دستوريٍّ معدَّلٍ لاستيعاب البنية الجديدة، كما يتضمّن ترتيباتٍ لعودة اللاجئين، والعفو العام، ودمج المؤسسات المحلية في النظام الشرعي الجديد، على أن يُعرض النصّ النهائي للمصادقة الشعبية وفق مبدأ الإرادة الحرّة الوارد في القرار 1541.
– ما مواقف مجلس الأمن 2024–2025؟
جدّد القرار 2756 ولاية المينورسو ودعا الأطراف إلى مفاوضاتٍ «دون شروطٍ مسبقة» وبحسن نيةٍ نحو حلٍّ عادلٍ ودائمٍ ومقبولٍ للطرفين، يضمن تقرير المصير وفق ترتيباتٍ منسجمةٍ مع الميثاق.
أما القرار 2797 فمدّد الولاية حتى 2026 مع إبراز توازنٍ بين الواقعية والتوافق، مؤكّدًا مركزية المسار السياسي بقيادة المبعوث الشخصي للأمين العام.
وقد كشفت الجلسات عن تباينٍ بين أعضاء المجلس: فريقٌ يثمّن مبادرة الحكم الذاتي كمرجعيةٍ واقعية، وآخر يتمسّك بالتأويل التقليدي لحقّ الاستقلال.
– لمَ امتنعت الجزائر عن التصويت؟
تُظهر سجلات 2024 أن الجزائر امتنعت عن المشاركة في التصويت على القرار 2756، فيما أيّده 12 عضوًا وامتنعت روسيا وموزمبيق. وفي 2025 كرّرت الجزائر الموقف ذاته، بينما امتنعت الصين، وروسيا، وباكستان، واعتمد القرار بأغلبية 11 صوتًا.
وتوضح البيانات الجزائرية الرسمية أنّ النصّ لا يجسّد بما يكفي لتصفية الاحتلال وتجسيد «الحق غير القابل للتصرّف» للشعب الصحراوي، مما يفسّر موقف الحياد.
– ما موقف جبهة البوليساريو؟
يُلزم الإطار الأممي استمرار المسار التفاوضي بقيادة المبعوث الشخصي دون فرض تسويةٍ أحاديةٍ على طرفٍ رافض. ويعني غياب التوافق تجديد ولاية المينورسو والإبقاء على الضغط الدبلوماسي لإطلاق جولاتٍ رباعيةٍ جديدة.
إنّ رفض الجبهة لأي صيغةٍ لا يُميت المسار، بل يؤجّله ضمن عمليةٍ تفاوضيةٍ مفتوحةٍ حتى بلوغ تسويةٍ تُجسّد مبدأ تقرير المصير.
– أين يكمن التناقض؟
يبدو التناقض ظاهريًا فقط إذا اقتُصر تقرير المصير على الاستقلال، بينما تقرّ وثائق 1541 و 2625 بإمكانية ممارسته داخليًا في صيغ الحكم الذاتي، أو الارتباط الحر، أو الاندماج متى صدرت عن إرادةٍ حرّة.
ويقلّص إدراج ضمانات الموافقة الشعبية والرقابة الدولية والرسوخ الدستوري من حدّة هذا التناقض، لأنّ الشرعية تُقاس بحرية الاختيار لا بشكل النتيجة.
إن الخلاف الراهن ليس قانونيًا بقدر ما هو سياسيٌّ في قبول الصيغة الملائمة. حيث تُظهر التجارب التاريخية أن الحكم الذاتي ينجح كتجسيدٍ داخليٍّ لتقرير المصير حين يتضمن سلطاتٍ حقيقيةً وآلياتِ مساءلةٍ محليةٍ وتحكيمًا دستوريًا مستقلاً.
وتكشف قرارات مجلس الأمن عن تفضيلٍ لمسارٍ تفاوضيٍّ تراكميٍّ يوفّر حلولاً عمليةً قابلةً للتنفيذ على المدى المنظور، بدل الطموحات القصوى التي تعجز عن التحقّق السياسي.
ويميل بعض الأعضاء إلى اعتبار مبادرة 2007 أرضيةً «جدّيةً وواقعية»، في حين تتشبّث أطرافٌ أخرى بخطاب الاستفتاء التقليدي، مما يستدعي بناء جسورٍ إجرائيةٍ حول ضمانات الإرادة الحرّة.
كخلاصة عامة، يثبت القانون الدولي أنّ الحكم الذاتي ليس نقيضًا لتقرير المصير متى تأسّس على موافقةٍ حرّةٍ وترتيباتٍ دستوريةٍ ضامنةٍ ورقابةٍ أمميةٍ محتملة.
غير أنّ الواقع السياسي يُظهر مفارقةً صارخة، فالتاريخ الحديث يبرهن أنّ الجمع بين الحكم الذاتي وحق تقرير المصير يكاد يكون توفيقًا مستحيلًا، لأنّ الأول يفترض السيادة، والثاني ينشد الانفصال عنها.
ويُفهم من المسار الأممي أنّ رفض أي طرفٍ لصيغةٍ بعينها لا يُنهي العملية، بل يعيدها إلى مائدة تفاوضٍ مفتوحة، فيما تبرّر الجزائر موقفها بالتمسّك الحرفي بمبدأ تصفية الاحتلال، وبالريبة من نموذج الاستفتاء الذي فقد صدقيته في ظلّ التحكّم في البنية الديموغرافية للإقليم.