يرى العديد من المراقبين و المحللين الأمنيين أن إرهاصات سقوط العاصمة المالية باماكو بات وشيكا في أيدي جماعات مسلحة تابعة سابقا للقاعدة، التي باتت راهنا تزحف نحو العاصمة المالية بعد منع الامدادات عن سكان باماكو، وسيطرتها على مناطق في البلاد.
و حسب المتتبعين للشأن المالي فكل التخوفات مما يجري هنالك توحي إرهاصاتها أن الوضع غير المستتب بإمكانه أن يشعل فتيل حرب أهلية التي حتما سيصل صداها إلى دول الجوار.
و يعتبر العارفون بالوضع في منطقة الساحل أن تهور و جنون الطغمة العسكرية في مالي التي راهنت على انقلاب فاشل و تهور سياسي إضافة إلى انسحاب مالي من اتفاق الجزائر يعتبرون من العوامل التي قادت مالي إلى مصيرها المخيف.
للإشارة أن انسحاب مالي من اتفاق السلام و المصالحة الذي وُقع في عام 2015 لإنهاء النزاع ، والذي كانت قد توسطت فيه الجزائر. كان الهدف منه منح منطقة أزواد حكماً ذاتياً موسعاً، ودمج المقاتلين الأزواد في الجيش المالي، وتعزيز التمثيل السياسي والإداري للمنطقة. ورغم أهميته في إنهاء القتال الذي بدأ عام 2012، فإن الاتفاق تعثر لاحقاً، وأعلنت الحكومة المالية في يناير 2024 إلغاءه بسبب ما اعتبرته عدم التزام الأطراف الأخرى بتعهداتها.
و يرى المتابعين للشأن الأمني في دول الساحل أن انسحاب مالي من الاتفاق لم يكن حدثًا معزولًا، بل جاء في سياق توتر متزايد بين باماكو وشركائها الإقليميين والدوليين، خاصة بعد انسحابها من مجموعة دول الساحل الخمس (G5 Sahel) وتقاربها مع موسكو. وقد فسّر بعض المراقبين هذا القرار على أنه تعبير عن رغبة السلطة الانتقالية في إعادة تعريف تحالفاتها الخارجية، في حين رأى آخرون فيه مخاطرة سياسية قد تعيد البلاد إلى مربع العنف المسلح.
فعلى المستوى الأمني، عادت الاشتباكات بين الجيش المالي والحركات المتمردة في الشمال، خصوصًا في تمبكتو وكيدال. كما أثّر انسحاب مالي من الاتفاق على العلاقات الثنائية مع الجزائر، الدولة الراعية للوساطة، التي عبّرت عن “أسفها العميق” حيال الخطوة. أما إقليميًا، فإنّ هذا التطور زاد من هشاشة منطقة الساحل، التي تعاني أصلًا من تمدد الجماعات الإرهابية وانعدام التنسيق بين دولها.
لذا فإنّ انسحاب مالي من اتفاق الجزائر يعبّر عن أزمة ثقة عميقة في مسار المصالحة الوطنية، ويمثل تحديًا خطيرًا للاستقرار الإقليمي. فبين البحث عن السيادة الوطنية والرغبة في التحرر من الإملاءات الخارجية، تجد باماكو نفسها اليوم أمام فاتورة سياسية وأمنية باهظة. ولعلّ الحل يكمن في استئناف الحوار تحت مظلة إقليمية شاملة تُعيد الثقة بين الأطراف وتضع مصلحة الشعب المالي فوق كل اعتبار.
الهوامش والمراجع:
-
وزارة الخارجية الجزائرية، بيان حول انسحاب مالي من اتفاق السلم، الجزائر، 2024.
-
تقرير مجموعة الأزمات الدولية: Mali: After the Peace Deal Collapse, Brussels, 2024.
-
مركز الدراسات الإفريقية – جامعة باماكو، “تحولات السياسة المالية في ظل السلطة الانتقالية”، 2025.