ما قل ودل

بين إشادة الفنان ياسر جلال وردّ نجل الراحل جمال عبد الناصر…”خط 101″ الذاكرة تتكلم و اللسان يتألم

شارك المقال

أثار الفنان المصري ياسر جلال موجة واسعة من التفاعل بعد تصريحاته الأخيرة التي عبّر فيها عن تقديره العميق للجزائر وشعبها وتاريخها الثوري، مشيدًا بدورها العربي والإنساني، ومؤكدًا أن الجزائر كانت دائمًا في مقدمة الصفوف حين تنادي الأمة،غير أن هذه الكلمات النبيلة، التي لامست قلوب الجزائريين والعرب على حدّ سواء، أعقبها ردّ مثير للجدل من نجل الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، الذي حاول التقليل من حجم مشاركة الجزائر في حرب جوان 1967 ضد الكيان الصهيوني، واصفًا مساهمتها بأنها “رمزية أكثر منها ميدانية”.

تصريحات نجل عبد الناصر أثارت استياءً واسعًا، لأنها — في نظر المؤرخين والمهتمين بالشأن العربي — تتناقض مع الحقائق التاريخية الموثقة التي تثبت أنّ الجزائر لم تكن متفرّجة في معارك الأمة، بل كانت في قلب الحدث بالسلاح والموقف.

الجزائر منذ استقلالها سنة 1962، جعلت من دعم القضايا العربية جوهر سياستها الخارجية، وفي مقدّمتها القضية الفلسطينية.

وقد أعلن الرئيس الراحل هواري بومدين منذ البداية أن “تحرير الجزائر لا يكتمل إلا بتحرير فلسطين”.

وعندما اندلعت حرب 1967، كانت الجزائر لا تزال تبني مؤسساتها، لكنها لم تتردد في تقديم دعم عسكري مباشر لمصر وسوريا، وإرسال كتيبة من جنودها ومجموعة من طياريها الذين شاركوا فعليًا في الجبهة المصرية ضمن ما عُرف بـ خط 101.

الوثائق المصرية والسورية — وكذلك الأرشيف العسكري الجزائري — يؤكد أن الجزائر أرسلت أسلحة وذخيرة ومقاتلات إلى الجبهات العربية، رغم أنها كانت حديثة عهد بالاستقلال.

بل إن الجزائر ساهمت في إعادة تسليح الجيش المصري بعد النكسة، عندما أمر الرئيس بومدين بتحويل جزء من مداخيل النفط الجزائري لدعم المجهود الحربي العربي.

قال بومدين حينها عبارته الشهيرة: “نحن لا نمنّ على أحد بدعمنا، لأننا نؤدي واجبنا تجاه الأمة”.

من المؤسف أن يخرج اليوم من يحاول التقليل من دور الجزائر، في حين أن العلاقة بين هواري بومدين وجمال عبد الناصر كانت نموذجًا للوحدة والتضامن العربي.

فقد قال عبد الناصر ذات يوم: “الجزائر هي صوت الثورة العربية الصادق”، وردّ عليه بومدين: “عبد الناصر هو ضمير الأمة.”

فكيف يُعقل أن يُختزل هذا التاريخ المشترك في تصريحات سطحية تتجاهل التضحيات؟, الجزائر لا تحتاج إلى شهادة أحد لتأكيد مواقفها، لأن التاريخ هو من يشهد لها.

لقد قاتل أبناؤها من أجل مصر كما قاتلوا من أجل استقلالهم، ووقفت الجزائر دائمًا في صفّ القضايا العادلة من دون انتظار شكرٍ أو مقابل.

ولذلك، فإن تصريحات نجل عبد الناصر، مهما كان هدفها، لن تنال من الذاكرة ولا من شرف المشاركة في معارك الأمة.

إن إشادة الفنان ياسر جلال بدور الجزائر في تصريحاته بمهرجان وهران ، لم تكن سوى تعبير صادق عن وجدان شعبي عربي يعرف من وقف إلى جانبه في الأوقات الصعبة.

أما الردّ الذي جاء بعدها، فقد كشف فقط عن فجوة مؤلمة بين الذاكرة الشعبية والذاكرة الرسمية.

التاريخ لا يُكتب بالأهواء، ولا يُختصر في تصريحات إعلامية، لأن الجزائر كانت وستبقى جزءًا من ضمير الأمة العربية، وخط 101 شاهد على حضورها في كل معركة تخص الكرامة والسيادة.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram