ما قل ودل

في ظل تناقض سياسة ماكرون ما بين الخطاب و الممارسة…علاقة الجزائر بفرنسا تمضي نحو المجهول

شارك المقال

تُعدّ العلاقات الجزائرية–الفرنسية من أكثر العلاقات الثنائية تعقيدًا في الفضاء المتوسطي، نظراً لثقل الإرث الاستعماري وتداخل المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية. ورغم الخطابات المتكررة الداعية إلى تجاوز الماضي وبناء شراكة متوازنة، ما تزال هذه العلاقات رهينة توترات بنيوية، يتصدرها ملف تجريم الاستعمار الذي فازت بتزكيته الجزائر مؤخرا في انتظار ملف تعويض المتضررين من التجارب النووية برقان ليتضح بعدها تباين الرؤى حول طبيعة التعاون وحدوده.

في السنوات الأخيرة، برزت مقاربة فرنسية اتسمت بالتناقض وعدم الانسجام، خاصة في تعاملها مع القضايا الإفريقية، وهو ما أضعف موقعها الإقليمي وأثار شكوك شركائها، وفي مقدمتهم الجزائر. وتُنظر في الجزائر إلى بعض المبادرات الفرنسية على أنها استمرار لمنطق الهيمنة والتدخل غير المباشر، الأمر الذي يقوّض أسس الثقة ويحدّ من فرص إقامة تعاون حقيقي قائم على الندية والاحترام المتبادل.

على الصعيد الداخلي، تواجه فرنسا تحديات سياسية واقتصادية متزايدة، انعكست على أدائها الخارجي وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها الدولية. هذا السياق الداخلي المضطرب أسهم في تراجع نفوذها التقليدي، لا سيما في إفريقيا، وقلّص هامش مناورتها الدبلوماسية. في المقابل، انتهجت الجزائر سياسة خارجية أكثر تنوعًا، ركزت على توسيع شبكة شراكاتها الاستراتيجية وتعزيز استقلالية قرارها السيادي.

تسعى القيادة الفرنسية، في عهد الرئيس إيمانويل ماكرون، إلى إعادة بعث العلاقات مع الجزائر عبر خطاب يقوم على “إعادة التأسيس”، غير أن هذه المساعي تصطدم بتناقض بين الخطاب والممارسة، ما يضعف مصداقيتها. فالعلاقات الدولية المعاصرة لم تعد تُبنى على اعتبارات تاريخية أو رمزية، بل على المصالح المتبادلة والاحترام الصارم لسيادة الدول.

ختامًا، يبقى مستقبل العلاقات الجزائرية–الفرنسية مرهونًا بقدرة فرنسا على مراجعة مقاربتها التقليدية، والتخلي عن ذهنيات متجاوزة، واعتماد دبلوماسية واقعية تقوم على الندية وعدم التدخل. دون ذلك، ستظل هذه العلاقات محكومة بحالة من التوتر المزمن، في نظام دولي يتجه بشكل متسارع نحو التعددية القطبية.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram