
أ.د بوعرفة عبد القادر
قبل أن ألج إلى تحليل وجهة نظري فيما يقع الآن من تدافع وصراع بين السعودية والإمارات، وجب أن أنبه أن الجزائر منذ مدة أشارت بوضوح إلى دور الكيان الإماراتي المارق في تمزيق الدول العربية، ونسج المكائد، وخلق التوترات داخل البلدان العربية، بغية تشكيل لوبي إماراتي يُحقق مكاسب لآل زايد على حساب استقرار الدول العربية، عبر منطق الفوضى الخلاقة.
كما لاحظنا منذ مدة تملل ساسة السعودية من الممارسات السياسوية -المراهقة السياسية- لآل زايد، والتي هددت المصالح الحيوية السعودية في كثير من المناطق العربية بالخصوص، وحتى بعض الدول الإسلامية، بيد أن خشية ساسة السعودية من تفكك التحالف الاستراتيجي الخليجي كان دافعًا وراء تهدئة اللعب، وعدم الدخول في صدام مع إمارة آل زايد التي لم تسلم من مكائدها ولا دولة عربية.
لكن يبدو أن التوتر الحالي بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة يُمثل تحولاً جوهريًا في العلاقة الاستراتيجية بينهما، يتجاوز بكثير فكرة الخلاف العابر أو التنافس التقليدي على المصالح. إنه تحول يعكس تصادم استراتيجي عميق في الرؤى حول مفاهيم الأمن، والسيادة، والنفوذ في حقبة ما بعد الصراعات الإقليمية الكبرى، ولا سيما حرب اليمن. هذا التباين ليس مجرد خلاف تكتيكي، بل هو تعبير عن صراع بين أنموذجين وجوديين مختلفين لتشكيل المستقبل الإقليمي.
أولاً: من التحالف إلى التضاد الوظيفي: تفكيك المعنى السياسي
كان التحالف الخليجي، ولا سيما بعد أحداث الربيع العربي، أنموذجًا للوحدة السياسية في مواجهة تهديدات مشتركة. لكن هذا الأنموذج واجه تحديًا وجوديًا عندما اصطدمت المصالح الجوهرية للطرفين على الأرض اليمنية. بالنسبة للسعودية، يُعد دعم الإمارات للمجلس الانتقالي الجنوبي ومشاريع الانفصال تهديدًا مباشرًا للأمن القومي السعودي، الذي يقوم على فكرة استقرار دولة يمنية موحدة وقوية على حدوده الجنوبية، هذا المفهوم “التقليدي” للحدود والسيادة دفع الرياض إلى تبني خطاب وسياسات واضحة لمواجهة هذا التمدد الإماراتي غير المدروس سياسيا، لأنه قائم على منطق الفوضى الخلاقة.
في المقابل، ترفض الإمارات هذه القراءة وتصفها بـ”المغالطات الجوهرية”، مؤكدة أن وجودها جاء بدعوة من الحكومة الشرعية، وأنه يرتكز على منطق مختلف للأمن والسيادة. بيد أن المنطق الإماراتي لا يركز بالضرورة على “الدولة-الكل” الموحدة، بل على إدارة شبكة من النفوذ عبر تحالفات مرنة مع فصائل وقوى محلية، تضمن لها حضورًا استراتيجيًا وأمنيًا بطريقة غير تقليدية.
هنا يكمن جوهر التحول، حيث لم تعد “الشراكة الاستراتيجية” التقليدية قادرة على احتواء علاقة قوة مركزية تسعى لترسيخ مفهوم الدولة الوطنية (السعودية)، مع قوة إقليمية صاعدة تتبنى نموذج “شبكة-الدولة” التي تتحكم بالتدفقات وتتجاوز الحدود الصلبة (الإمارات). هذا تحول من التحالف المؤسسي إلى “التضاد الوظيفي”، حيث تتعاون الدولتان في أطر ضيقة، وتتنافس بشكل حاد وكبير في أطر أخرى، داخل المساحة الجيوسياسية نفسها.
ثانيًا: الصراع على التموضع الجيوسياسي: اليمن كمجال اختبار
أعتقد أنّه لا يمكن اختزال التوتر في أحداث اليمن أو ليبيا أو القرن الإفريقي كساحات منفصلة، هذه كلها تجليات لصراع أعمق على إعادة رسم خريطة النفوذ في الإقليم الممتد من الخليج إلى البحر الأحمر والمحيط الهندي. حيث نلاحظ أن كلاهما يسعى إلى الحصول على موقع القيادة في مرحلة “ما بعد الحرب” في اليمن، وما يرتبط به من تحكم بالممرات البحرية والاقتصادية.
تسعى السعودية إلى بناء نظام إقليمي تقوده عبر دعم حكومات مركزية مستقرة، معتمدة على ثقلها الجغرافي والسكاني والديني. بينما تبني الإمارات نفوذها عبر نموذج “العُقد والمرافئ”، مركزة على السيطرة على نقاط عبور حرجة (موانئ عدن، والمكلا، وصحار) وشبكات التجارة والخدمات اللوجستية. لذا، تحول اليمن من ساحة لنزاع أمني إلى “عقدة جيو-اقتصادية” يتصارع فيها أنموذجان: أنموذج يراهن على استقرار الدولة لتحقيق الأمن والازدهار، وآخر يراهن على إدارة الفوضى والتحالفات المرنة لتحقيق النفوذ والربح.
هذا التنافس يجعل من علاقتهما علاقة “توازن تهديدي” دائمة، وليست تنسيقًا مؤسسيًا مستقرًا. حيث إن كل طرف يحسب خطواته بناءً على حركة الآخر، في ديناميكية تشبه لعبة الشطرنج الاستراتيجية أكثر منها شراكة تحالفية.
ثالثًا: البعد الاقتصادي: من تكامل الريع إلى تنافس النماذج
يكشف البعد الاقتصادي عن جذر براغماتي للتوتر، حيث لم يعد التنافس محصورًا في النفط، بل انتقل إلى صراع بين أنموذجين اقتصاديين ورؤيتين للمستقبل.
من جهة أخرى، تطرح السعودية عبر “رؤية 2030″ أنموذجًا طموحًا لإعادة تأسيس الذات كـ”قطب اقتصادي-سيادي” مستقل، وهو أنموذج يسعى لتحويل المملكة من دولة تابعة لسلاسل القيمة العالمية إلى مركز صناعي ومالي وإقليمي، مع التركيز على بناء قاعدة إنتاجية وطنية قوية والتحكم بمراكز القرار الاقتصادي داخل حدودها. تبدو إستراتيجية واضحة من أجل تكريس إنتاج مفهوم “الدولة القومية” القوية في المجال الاقتصادي.
من جهة أخرى، أتقنت الإمارات بناء أنموذج اقتصادي قائم على “الوساطة والتدفق”، بمعنى أنّه أنموذج لا يضع السيادة الكاملة على الإقليم الجغرافي في القلب، بل يركّز على التحكم بالعُقد اللوجستية (الموانئ، المطارات، المناطق الحرة)، وخلق شبكات مالية وتجارية عابرة للحدود. حيث يصبح اقتصادها مبني على كونها منصة اتصال ووسيطًا لا غنى عنه في المنطقة.
وهكذا، اصطدم البلدان عندما تحول الخليج من فضاء للتكامل الصامت تحت مظلة النفط، إلى ساحة للتنافس الصريح على الاستثمارات الأجنبية المباشرة، والمراكز المالية، والسيطرة على سلاسل الإمداد والممرات البحرية الحيوية. الخلاف على اليمن، بهذا المنظور، هو خلاف على من يملك تعريف المستقبل الاقتصادي للإقليم، ومن سيكون بوابة انفتاحه أو قلعة انغلاقه.
رابعًا: البعد السياسي الداخلي: تصادم العقلانيات
لا يمكن فصل هذا الصراع الاستراتيجي عن التحولات الداخلية في كلا البلدين، والتي أنتجت عقلانيتين سياسيتين مختلفتين تماما، عقلانية سعودية تعتمد على سياسة المرونة والحكمة في التعامل مع دول الجوار، بينما الإمارات تعتمد على سياسة خلق الفوضى والعنترية الظاهرية.
نلاحظ أن عملية التحديث والتحول السريعة في السعودية أدت إلى إعادة “مركزة الدولة” بشكل كبير على الرغم من بعض النقائص والمزالق، بيد أن النظرة أفرزت توحيدًا للمجال السياسي وضبط مصادر التعدد واللايقين لصالح مشروع تنموي وأمني مركزي قوي. تنعكس هذه العقلية المركزية على السياسة الخارجية، التي تفضل التعامل مع كيانات دولة واضحة المعالم ومستقرة، وتنظر بحذر إلى الفاعلين غير الحكوميين والشبكات المتحركة.
في المقابل، نشأت الإمارات كاتحاد فيدرالي، وتبلورت فيها عقلية سياسية تقوم على “المرونة وإدارة التعدد”. لقد أتقنت حوكمة التعقيد عبر شبكة من العلاقات والوساطات مع فاعلين متنوعين، داخليًا وإقليميًا. هذه البنية الداخلية ولّدت استراتيجية خارجية مرنة، لا تتحرج من التعامل مع مليشيات، وفصائل وأطراف غير رسمية لتحقيق أهدافها، بناءً على أنموذج يُمكن تسميته “بإدارة الأصول الاستراتيجية” المتنوعة أكثر من كونه دبلوماسية دولة تقليدية.
لذا، فإن الخلاف الظاهري على “الشرعية” في اليمن هو في العمق خلاف على مفهوم “الدولة” ذاتها: هل هي الكل الموحد المركزي، أم هي المنظومة الشبكية القادرة على احتواء التعدد؟
ويمكن الوصول إلى خلاصة، فحواها أن الأزمة بين السعودية والإمارات تُعد أزمة المعنى الوجودي أكثر من أزمة المصالح، حيث أن ما يقع اليوم يتجاوز كونه أزمة في العلاقات الثنائية كما يعتقد الكثير من المحللين، بل هو بالأحرى أزمة معنى شاملة، تكمن في النقاط الأتية:
– أزمة في تعريف الأمن: هل هو أمن حدودي مستقر ، وتجاور قوي عبر دولة قوية، مقابل أمن شبكي مرن عبر تحالفات متعددة، تُغذيها الفوضى، والدسائس، وسلطة المال.؟؟
– أزمة في تصور الاقتصاد: هل هو اقتصاد سيادي قائم على التحول الصناعي والمركزة، مقابل اقتصاد تدفقي قائم على الوساطة والتحكم بالعُقد اللوجستية.؟؟
– أزمة في فهم الدولة والسيادة: هل السيادة يجب أن تكون في سيادة صلبة بالمعنى التقليدي، أم سيادة سائلة أو “شبكية”.
وعليه، ليس الاختلاف والخلاف على حدث عابر في اليمن، بل على الأفق الاستراتيجي الكامل للإقليم. بمعنى أن التنازع ليس على موقع جغرافي مؤقت، بل على السردية التي ستقود الخليج في القرن الحادي والعشرين إلى تجسيد سردية القطب الوطني الكبير، لا سردية تجسيد مركز الشبكات العالمية.
وعليه، فهما لا يتخاصمان كحليفين سابقين فحسب، بل يتباعدان كتصورين وجوديين متناقضين للقوة والنفوذ في عالم أصبحت فيه الحدود وطبيعة الدولة نفسها موضع تساؤل. هذا التحول البراغماتي هو الإطار الحقيقي لفهم أي تطور بين الرياض وأبوظبي، حيث تتصارع الرؤى قبل أن تتصارع المصالح.