
الأستاذ بوعرفة عبد القادر
أثار افتتاحُ الخطّ الحديدي الرابط بين بشّار وتندوف يوم الأحد 01 فيفيري 2026 جدلًا واسعًا داخل الجزائر وخارجها، ولا سيّما بين فئاتٍ أُصيبت بما يمكن تسميته ـ مجازًا ـ بداء التشكيك الكلّي, فئات دونكيشوتية لا يرضيها أيّ إنجاز، شعارهم الدائم “خالف تُعرَف” مهما كانت الوقائع.
أفترضُ هنا -جدلًا- أنّ حديد منجم غار جبيلات غيرُ مجدٍ اقتصاديًّا كما يدّعي البعض، وأنّ نوعيّته رديئة، وأنّ الدولة أنفقت أموالًا طائلة على مشروعٍ فاشل، لأنّ هذا الحديد ـ حسبهم ـ لا يصلح لا للبناء ولا للصناعات الثقيلة. وعليه، أقول، أنه حتى لو صحّت كلّ هذه الادعاءات، فإنّ الجزائر تكون قد كسبت، في المقام الأوّل، خطّ سكةٍ حديديّة ستترتّب عليه نتائج استراتيجية، واقتصادية جوهريّة بعيدة المدى.
أغلبنا يعتقد أن السكك الحديديّةُ تُشكل صُلبَ البنية التحتيّة المعاصرة، إذ تُعدّ بحقّ الشريان الحيوي الذي يضخّ الحياة في جسد الاقتصادات الوطنيّة، لا بوصفها مجرّد وسيلةٍ لنقل الأفراد والبضائع، بل لكونها محرّكًا استراتيجيًّا لأيّ وثبةٍ اقتصاديّة. وفي هذا السياق، تظلّ التجربةُ الأمريكيّةُ في القرن التاسع عشر الأنموذجَ الأبرز عالميًّا, إذ تُجسِّد ما يمكن أن تصنعه السكك الحديديّة حين تتحوّل من مشروع تقني إلى رافعة تاريخيّة.
يُبيّن إسقاطُ هذا النموذج على الواقع الجزائري الراهن أنّ الجزائر تدرك هذه المعادلة بوضوح، وتسعى عبر استراتيجيّة ربط الشمال بالجنوب، وتطوير الخطوط المنجميّة (ومنها خطّ غار جبيلات) إلى تحقيق السيادة الاقتصاديّة، وتنويع الموارد خارج الارتهان البنيوي لقطاع المحروقات.
أوّلًا: الدرس الأمريكي… من التجزؤ إلى السوق القومي الموحَّد
تكمنُ أهميّةُ التجربة الأمريكيّة في قدرتها على صهر ولاياتٍ متباعدة جغرافيًّا في سوق قوميّة موحَّدة. ففي منتصف القرن التاسع عشر، عانى الاقتصاد الأمريكي من تشرذم الأسواق وتفاوت الأسعار، بفعل ضعف وسائل النقل واتّساع الرقعة الجغرافيّة. وجاء إنجاز مشروع السكك الحديديّة العابرة للولايات المتحدة سنة 1869 ليحوّل المسافة من عائقٍ مادّي إلى إمكانيّةٍ عقلانيّة قابلة للحساب، والتكيف، والاستغلال.
لم يكن هذا الربط إنجازًا هندسيًّا فحسب، بل مثّل شريانَ حياةٍ اقتصاديًّا خفّض تكاليف الشحن بنسبٍ تجاوزت 70٪ في بعض الحالات، ما سمح بانسياب البضائع وتكامل الأقاليم, فانتقلت المنتجات الصناعيّة من الشمال والشرق، بينما تدفّقت المحاصيل الزراعيّة والثروات الحيوانيّة من الغرب نحو المراكز الصناعيّة. وقد أفرز هذا التكامل ديناميكيّة اقتصاديّة رفعت الطلب، وحفّزت الإنتاج والاستثمار.
ويُراجَع في هذا السياق ما كتبه روبرت ويليام فوغل في كتابه الصادر سنة 1964: Railroads and American Economic Growth: Essays in Econometric History، حيث أكّد أنّ الوثبة النوعيّة للاقتصاد الأمريكي ارتبطت، بنيويًّا، بشبكة السكك الحديديّة.
ثانيًا: السكك الحديديّة كمحفّز للثورة الصناعيّة والماليّة
يؤكّد دوغلاس سي. نورث في كتابه The Economic Growth of the United States, 1790–1860 أنّ التوسّع الذي رافق مشروع السكك الحديديّة أحدث تحوّلًا صناعيًّا عميقًا، دفع القوّة الإنتاجيّة الأساسيّة للنمو، وضرب مثالًا بالقطاع الزراعي، ولا سيّما القطن.
أثبتت التجربةُ الأمريكيّة أنّ القطار لم يكن مجرّد وسيلة نقل -أو “الحصان الأسود” بتعبير السكّان الأصليّين بل مشروعًا استراتيجيًّا ضخمًا حرّك الصناعات الثقيلة. فقد أدّت الحاجة إلى الحديد والفولاذ والفحم إلى انفجار صناعة الصلب والآلات، ومهّدت الطريق لبروز بارونات الفولاذ أمثال أندرو كارنيغي. وعلى المستوى المالي، فرض تمويل هذه الشبكات الضخمة ابتكار آليّات جديدة لتجميع رؤوس الأموال، ما أسهم في نشوء سوق الأوراق الماليّة ونظام الشركات الكبرى. كما أسهمت السكك الحديديّة في النهضة الزراعيّة عبر تقنيات التخزين المبرّد، محوِّلة الولايات المتحدة إلى سلّة غذاء عالميّة.
ثالثًا: البعد الفكري والإداري (العقلنة والتنظيم)
يُبرز ألفرد د. تشاندلر في كتابه الصادر سنة 1977: The Visible Hand: The Managerial Revolution in American Business أنّ تعقّد النشاط الاقتصادي، خاصّة في قطاع السكك الحديديّة، فرض انتقال التنسيق من المنافسة العفويّة إلى الإدارة العقلانيّة، وهنا برز الاقتصاد المُرشد إداريًا، والمفتوح على المنافسة عمليًا.
تتجاوز السكك الحديديّة بعدها المادّي لتُجسِّد تحوّلًا فكريًّا عميقًا, فوفق مفهوم العقل الأداتي عند ماكس فيبر، خضعت الطبيعة لمنطق الكفاءة، واختُزل الزمن في جداول، والمكان في محطّات، والإنتاج في سلاسل مترابطة. وتؤكّد أطروحة “اليد الخفية” لتشاندلر أنّ إدارة هذه الشبكات الواسعة أدّت إلى اختراع الإدارة الحديثة، بينما يبيّن فوغل أنّ السكك الحديديّة كانت شرط إمكان تاريخي للتراكم الاقتصادي، لا سببًا آليًّا منفردًا.
رابعًا: الرهان الجزائري وتجسيد الرؤية
كان حلمًا، واليوم صار واقعًا، وسيكون الرهانُ الجزائري غدا عبر رؤيةً استراتيجيّة تقوم على توسيع شبكة السكك الحديديّة وربط الشمال بالجنوب والشرق بالغرب. ولا يختزل مشروع ربط الشمال بتندوف في نقل الحديد، بل يؤسّس لاستقلاليّة لوجستيّة، وتخفيض كلفة الإنتاج، وخلق فرص العمل، وتسريع التبادل التجاري.
إنّ تكامل الشبكة الحديديّة الجزائريّة يمثّل الرهان الحقيقي لإقلاع اقتصادي خارج المحروقات، محوِّلًا الجغرافيا الواسعة من عبءٍ مكاني إلى ميزةٍ تنافسيّة. وإذا كان الحديد قد صنع الحلم الأمريكي، فإنّ الإدارة الرشيدة والاستثمار العقلاني في هذا القطاع قد يصنعان السيادة الاقتصاديّة الجزائريّة، حيث يتحوّل الحديد من مادّة خام إلى أداة لإعادة تشكيل العقل الاقتصادي الوطني.
ونأمل، في الأخير، أن نشهد خطوطًا حديديّة تمتدّ من عنابة إلى عمق الصحراء الشرقيّة، ومن الطارف إلى مغنية، ليغدو ذلك إنجازًا حضاريًّا سيعود أثره على الأجيال القادمة.