
بقلم :ر- أمين
بعد قرابة ثلاثة قرون من الاحتلال الإسباني لمدينة وهران، شهد عام 1792 الفصل الختامي لهذه الحقبة المظلمة. لم يكن النصر وليد صدفة، بل كان نتاج استراتيجية محكمة قادها الباي محمد بن عثمان الكبير، الذي عرف كيف يحول الغضب الشعبي والوازع الديني إلى قوة ضاربة لا تقهر.
الدور الروحي والعسكري للزوايا
في الوقت الذي كان فيه جيش الباي ينظم صفوفه، كانت الزوايا في الغرب الجزائري (مثل الزاوية الدرقاوية، القادرية، والزيانية) تلعب دور “المعبئ العام”. لم يقتصر دور شيوخ الزوايا وطلبة العلم على الدعاء، بل تحولوا إلى قادة ميدانيين ومحفزين للجماهير.
استجاب الطلبة لنداء الجهاد، معتبرين تحرير وهران واجباً شرعياً ووطنيًا،كما شكلت الزوايا نقاط إمداد وتواصل بين القبائل وجيش الباي.
استراتيجية الباي محمد بن عثمان الكبير
كان الباي محمد رجلاً سياسياً ومحارباً فذاً، أدرك أن الحصار الطويل هو المفتاح. اعتمد في خطته على تضييق الخناق من خلال عزل وهران عن مرسى الكبير ومنع الإمدادات الإسبانية من الوصول ،بالإضافة إلى
بناء الحصون عن طريق تشييد حصون مقابلة للقلاع الإسبانية (مثل حصن الجير) ،ومن أجل استراتيجية الاستنزاف،تم تبني الهجمات المتكررة التي قادها “المجاهدون” وطلبة الزوايا لإنهاك الحامية الإسبانية.
كما لعبت العوامل الطبيعية دوراً في تسريع الجلاء، حيث ضرب زلزال عنيف مدينة وهران عام 1790، مما أضعف التحصينات الإسبانية وأصاب الجنود بالذعر. استغل الباي هذا الوضع ليصعد من ضغطه العسكري، مما أجبر الملك الإسباني “كارلوس الرابع” على التوقيع على معاهدة الجلاء.
فتح وهران كان انتصاراً للمجتمع الجزائري
في فبراير 1792، دخل الباي محمد بن عثمان الكبير مدينة وهران فاتحاً، يحيط به العلماء، طلبة الزوايا، وأعيان البلاد. كان هذا الدخول بمثابة عرس وطني، حيث استعيدت المساجد التي حُولت إلى كنائس، وأقيمت صلاة الجمعة لأول مرة منذ ثلاث قرون.
يقول المؤرخون: “إن فتح وهران لم يكن انتصاراً لجيش النظامي فحسب، بل كان انتصاراً للمجتمع الجزائري بكل أطيافه، وعلى رأسهم حملة القرآن الذين تقدموا الصفوف.”
يبقى فتح وهران عام 1792 شاهداً على قوة الوحدة بين القيادة السياسية والمرجعية الروحية. لقد أثبتت “طلبة الزوايا” أن العلم والعمل يسيران جنباً إلى جنب في معارك التحرير، لتظل وهران “الباهية” عصية على الانكسار وجوهرة في تاج الدولة الجزائرية.