يشهد النظام الدولي خلال العقد الأخير تحولات عميقة في مراكز النفوذ، مع صعود قوى كبرى مثل روسيا و الصين، وتراجع تدريجي للهيمنة الغربية التقليدية، لا سيما النفوذ الفرنسي في القارة الإفريقية. وقد أفرز هذا التحول واقعًا جديدًا أصبحت فيه دول مثل الجزائر فاعلًا استراتيجيًا لا غنى عنه في معادلات الطاقة والأمن الإقليمي.
تآكل النفوذ الفرنسي في إفريقيا
عرفت فرنسا تاريخيًا حضورًا سياسيًا وعسكريًا واسعًا في مستعمراتها السابقة، غير أن السنوات الأخيرة شهدت تصاعد الرفض الشعبي والسياسي لهذا الدور في عدة دول إفريقية، خاصة في منطقة الساحل. وقد تجسّد ذلك في إنهاء الوجود العسكري الفرنسي في مالي و النيجر و بوركينافاسو، وهو ما يعكس تحوّلًا بنيويًا في علاقة باريس بالقارة السمراء.
ويُلاحظ أن هذا الرفض لا ينفصل عن تنامي الشراكات البديلة مع موسكو وبكين، اللتين تقدمان دعمًا اقتصاديًا وأمنيًا دون الإرث الاستعماري الذي يثقل الذاكرة الجماعية الإفريقية.
الجزائر كفاعل استراتيجي في المعادلة الجديدة
في ظل هذه التحولات، تعززت مكانة الجزائر إقليميًا ودوليًا، مستندة إلى موقعها الجغرافي الحيوي، وقدراتها في مجال الطاقة، وثقلها الدبلوماسي في قضايا الساحل والمتوسط. وأصبح من الواضح أن فرنسا باتت في موقع الباحث عن إعادة بناء شراكة متوازنة مع الجزائر بعد سنوات من التوتر والقطيعة السياسية.
فالجزائر لم تعد مجرد شريك ثانوي، بل عنصرًا محوريًا في استقرار شمال إفريقيا وأمن أوروبا الطاقوي، وهو ما يفرض على باريس مراجعة مقاربتها التقليدية القائمة على الوصاية السياسية.
أزمة الشرعية السياسية في الخطاب الفرنسي
يتزامن تراجع النفوذ الخارجي مع أزمة داخلية فرنسية متفاقمة، سواء على الصعيد الاقتصادي أو الاجتماعي. وقد برزت انتقادات حادة للرئيس إيمانويل ماكرون، من بينها تصريحات لافتة لــ”بيار ديغول” الذي اعتبر أن ماكرون لا يمثل الإرادة الشعبية الفرنسية، ويفتقر إلى الشرعية السياسية والأخلاقية في إدارة شؤون الدولة والعلاقات الخارجية.
وتعكس هذه المواقف اتساع الهوة بين السلطة التنفيذية وشرائح واسعة من المجتمع الفرنسي، في ظل أزمات المعيشة والاحتجاجات الاجتماعية المتكررة.
تجاوز الماضي لا يتم دون اعتراف صريح بالمسؤولية التاريخية
تبقى المسألة التاريخية حجر الزاوية في أي تقارب حقيقي بين الجزائر وفرنسا. فقد دعت شخصيات سياسية فرنسية بارزة، مثل سيغولين روايال، إلى ضرورة اعتذار رسمي عن جرائم الاستعمار، إلى جانب إعادة جماجم الشهداء الجزائريين وكامل الأرشيف المنهوب خلال الحقبة الاستعمارية.
ويمثل هذا الطرح إدراكًا متزايدًا داخل النخبة الفرنسية بأن تجاوز الماضي لا يمكن أن يتم دون اعتراف صريح بالمسؤولية التاريخية، وهو شرط أساسي لبناء علاقات متوازنة قائمة على الاحترام المتبادل.