العلاقات بين فرنسا والجزائر تشهد توتراً حاداً منذ أكثر من عام، ويُنظر إلى الزيارة المرتقبة لنونيز كخطوة محورية في محاولة إعادة فتح قنوات الحوار والتعاون بعد فترة من التباعد الدبلوماسي.
منذ الاعتراف الفرنسي بخطة الحكم الذاتي المغربية للصحراء الغربية في صيف 2024، حيث تدهورت العلاقات مع الجزائر التي تدعم حق تقرير المصير للسكان الصحراويين، ما أثار احتقانًا سياسيًا ودبلوماسيًا بين البلدين.
بالإضافة لذلك، الخلافات لم تقتصر على هذه القضية فقط، بل امتدت إلى ملفات الهجرة وترحيل المواطنين الجزائريين من فرنسا والملف الأمني المتعلق بمكافحة الإرهاب والتهريب.
أهداف الزيارة المرتقبة لنونيز
1. إعادة إطلاق الحوار الدبلوماسي
زيارة لوران نونيز المرتقبة تأتي في وقت يتطلع فيه الطرفان إلى تجاوز أزمة علاقة عميقة، مع إشارات من الجزائر بفتح قنوات الحوار، وإعلان من باريس عن استعدادها لاستئناف الاتصالات، خصوصًا في مجالات الأمن والهجرة.
2. التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب
ملف مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل ومكافحة شبكات التهريب يشكلان محوراً استراتيجياً في محادثات الوزير الفرنسي؛ ترابط هذه الملفات بأمن فرنسا الداخلي (هجمات، شبكات تمويل، تدفق مسلحين) يجعل من التعاون مع الجزائر ذا أهمية كبيرة للطرفين.
3. ملف الهجرة وإعادة الترحيل
هذا موضوع من أهم ملفات الخلاف. فرنسا تواجه ضغطاً داخلياً لتقليل عدد المهاجرين غير النظاميين، بينما الجزائر ترفض استقبال أعداد كبيرة منهم، خاصة بعد تراجع التعاون الثنائي في ذلك منذ الربيع الماضي.
الأبعاد الجيوسياسية للزيارة
أ. رمزية تجاوز التوتر
زيارة وزير الداخلية نفسه (وليس وزير الخارجية فقط) تحمل رسالة سياسية ببدء إعادة التوازن في العلاقات، خصوصًا أنها تأتي بعد أشهر من البرود الدبلوماسي. كل خطوة ملموسة في هذا الاتجاه يمكن أن تؤثر على فرص التفاهم في ملفات أكبر لاحقًا.
ب. تأثير العلاقات الفرنسية–الجزائرية على الاستقرار الإقليمي
العلاقات بين باريس والجزائر لا تهم البلدين فقط؛ فهي ترتبط بسياسات أوروبا في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل، خاصة في القضايا الأمنية مثل مكافحة الإرهاب الذي تمتد آثاره إلى أوروبا. كما أن الجزائر تلعب دورًا رئيسيًا في قضية الصحراء الغربية التي تمس بدورها سياسة أوروبا في المنطقة.
ج. تأثير تنافس القوى الكبرى
علاقة الجزائر مع دول أخرى مثل إيطاليا تنمو في سياق تنويع المحاور والشراكات في المتوسط، ما قد يقلل من هيمنة الدبلوماسية الفرنسية في المنطقة ويعطي الجزائر ثقلًا جيوسياسيًا أكبر في المفاوضات.
د. السياسة الداخلية الفرنسية
الملف الجزائري يستخدم أيضًا داخليًا في فرنسا، حيث يشكل موضوع الهجرة والاتفاقيات المرتبطة به مادة سياسية محورية للأحزاب، مما يضفي ضغطًا إضافيًا على الحكومة الفرنسية للتوصل إلى نتائج ملموسة في الحوار مع الجزائر.
التحديات التي تواجه الزيارة
-
التيارات السياسية المتشددة في فرنسا: هناك ضغوط داخل البرلمان الفرنسي لـ “تشديد الموقف” حتى إنهاء اتفاقيات قديمة مع الجزائر، ما يجعل الإحراز تقدمًا صعبًا.
-
الأجندات الإقليمية المتباينة: تصادم مصالح الجزائر وفرنسا في قضايا كالصحراء الغربية والهجرة يجعل المفاوضات معقدة أكثر من مجرد زيارة بروتوكولية.
الخلاصة الجيوسياسية
زيارة وزير الداخلية الفرنسي إلى الجزائر ليست مجرد حدث دبلوماسي اعتيادي؛ بل هي لحظة اختبار لعلاقات البلدين بعد توتر طويل. تحمل هذه الزيارة أبعادًا عميقة تتعلق بأمن أوروبا في منطقتي الساحل والمتوسط، والتوازن السياسي الداخلي في كل من فرنسا والجزائر، والتنافس الاستراتيجي للدول الأوروبية في شمال أفريقيا. نجاحها قد يمهد لإعادة إطلاق أطر التعاون في ملفات صعبة، بينما فشلها قد يزيد من عزلة العلاقات ويجعل المسار أكثر تعقيدًا في المستقبل.