ما قل ودل

فرنسا بين القوة الناعمة وإنكار الذاكرة الاستعمارية…مقاربة تحليلية

بنجامين ستورا من بين المرافعين حول اعتراف فرنسا بجرائمها الاستعمارية

شارك المقال

تُعد الذاكرة الاستعمارية إحدى أعقد الملفات في العلاقات الدولية المعاصرة، خاصة حين تتقاطع مع أدوات التأثير الحديثة التي تتيحها المنصات الرقمية. في هذا السياق، تبرز حالة العلاقات بين فرنسا والجزائر كنموذج إشكالي يجمع بين تاريخ مثقل بالانتهاكات الاستعمارية، واستراتيجيات جديدة للتأثير غير المباشر عبر ما يُعرف بـ”المؤثرين” على وسائل التواصل الاجتماعي.

من القوة الصلبة إلى القوة الناعمة

يشير مفهوم القوة الناعمة إلى قدرة الدول على التأثير في الآخرين عبر الجاذبية الثقافية والإعلامية بدل الإكراه العسكري أو الاقتصادي. ومع تطور البيئة الرقمية، انتقلت هذه القوة إلى مستوى جديد يتمثل في:

  • استغلال المنصات الاجتماعية لتوجيه السرديات السياسية

  • توظيف أفراد ذوي جماهير واسعة (المؤثرين) كوسطاء للرأي العام

  • خلق محتوى يبدو عفوياً لكنه يخدم أجندات محددة

هذا التحول جعل التأثير أكثر خفاءً وأسرع انتشاراً، وأقل قابلية للمساءلة الرسمية.

المؤثرون كأداة دبلوماسية غير رسمية

تُظهر دراسات الإعلام السياسي أن الدول باتت تعتمد على شبكات غير حكومية لتسويق مواقفها، ومن بينها المؤثرون الرقميون. وتكمن خطورة هذه الآلية في:

  1. طمس المصدر الحقيقي للرسالة

  2. إضفاء طابع شعبي وعاطفي على خطاب سياسي

  3. التأثير على فئات شبابية واسعة دون وعي نقدي كافٍ

وقد استفادت فرنسا من منصات مثل تيك توك للوصول إلى جمهور مغاربي واسع، حيث يُمرَّر محتوى يُعيد تأطير التاريخ الاستعماري أو يُشوّه السياسات الجزائرية المعاصرة.

 ازدواجية الخطاب الفرنسي حول الذاكرة الاستعمارية

رغم بعض التصريحات الرمزية الصادرة عن مسؤولين فرنسيين في فترات متقطعة، إلا أن الدولة الفرنسية لم تقدم اعترافاً قانونياً وأخلاقياً شاملاً بجرائمها الاستعمارية في الجزائر، مثل:

  • المجازر الجماعية

  • سياسات التهجير القسري

  • التعذيب الممنهج

  • النهب الاقتصادي والثقافي

في المقابل، يُلاحظ تصاعد الجهود غير الرسمية لإعادة صياغة الذاكرة عبر الإعلام الجديد، بما يخفف من ثقل المسؤولية التاريخية أو ينقل جزءاً من اللوم إلى الضحية نفسها.

و يمكن فهم هذا التوجه الفرنسي في ضوء عدة اعتبارات استراتيجية:

  • تراجع النفوذ الفرنسي التقليدي في إفريقيا

  • صعود قوى دولية منافسة في المنطقة

  • تعاظم الدور الجزائري الإقليمي في ملفات الطاقة والأمن

أمام هذا الواقع، يصبح التحكم في السردية التاريخية والسياسية أداة لتعويض خسارة النفوذ الميداني.

و تكشف التجربة المعاصرة أن فرنسا، بدل المضي في مسار الاعتراف الصريح بالجرائم الاستعمارية كمدخل لمصالحة تاريخية حقيقية، تميل إلى توظيف أدوات القوة الناعمة الرقمية، وعلى رأسها المؤثرون، لإعادة تشكيل الوعي العام وتقليص المسؤولية الأخلاقية.

غير أن هذه المقاربة، مهما بدت فعّالة على المدى القصير، تظل عاجزة عن طمس حقائق التاريخ أو إخماد مطالب العدالة الذاكراتية، بل قد تسهم في تأجيجها. فالمصالحة لا تُبنى عبر الخوارزميات، بل عبر الاعتراف، والاعتذار، وجبر الضرر.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram