أثار تصريح الروائي الجزائري ياسمينة خضرة مؤخرا جدلاً واسعًا في الأوساط الثقافية، عقب حديثه إلى وسائل إعلام فرنسية عن علاقته بالجزائر، وعمّا وصفه بتجاهل المؤسسات الأدبية الفرنسية له، رغم حضوره الطويل في المشهد الروائي الفرنكوفوني. في حين شبّه نفسه بـ”الصدفة الملتصقة بالجزائر”، في استعارة بدت محمّلة بدلالات الهوية والانتماء والالتصاق العضوي بالمكان، حتى وإن كانت الكتابة بلغة الآخر.
بين الاستعارة والهوية
تصريح خضرة لا يمكن فصله عن مسيرته الأدبية التي اتسمت منذ بدايتها بإشكالية الانتماء اللغوي والثقافي. فالكاتب، الذي يكتب بالفرنسية ويُعدّ من أكثر الروائيين الجزائريين انتشارًا في الفضاء الأوروبي، ظلّ دائمًا يؤكد أن الجزائر هي مصدر إلهامه ومرجعيته الرمزية. استعارة “الصدفة” هنا قد تُقرأ بوصفها تعبيرًا عن علاقة عضوية غير قابلة للفصل، لكنها في الوقت ذاته توحي بشيء من الهشاشة أو العزلة، وكأن الكاتب يرى نفسه ملتصقًا بوطنه رغم ما يعتري تلك العلاقة من سوء فهم أو سوء تقدير.
النفور الفرنسي نتاج اعتزاز خضرة بجزائريته
لم يكن تلميح خضرة إلى “تغاضي المؤسسات الأدبية الفرنسية عنه” مجرد عتاب عابر، بل يندرج ضمن نقاش أوسع حول آليات الاعتراف في الحقل الثقافي الفرنسي. فالمؤسسات الأدبية في فرنسا، بما فيها الجوائز الكبرى ودور النشر المرموقة، تخضع في الغالب لاعتبارات رمزية معقدة، ترتبط بالسياق السياسي والتاريخي والعلاقات ما بعد الكولونيالية.
ورغم أن أعمال ياسمينة خضرة حظيت بانتشار واسع وترجمت إلى لغات عدة، فإن غيابه عن بعض الجوائز الفرنسية الكبرى ظل يثير تساؤلات. فهل يتعلق الأمر بخيارات جمالية بحتة؟ أم أن هناك عوامل غير معلنة تتحكم في مسار الاعتراف الأدبي، خاصة عندما يكون الكاتب قادمًا من خلفية استعمارية سابقة؟
للتذكير أن العلاقة بين الجزائر وفرنسا لا تزال تُلقي بظلالها على المشهد الثقافي. فالكتّاب الجزائريون الذين يكتبون بالفرنسية غالبًا ما يجدون أنفسهم في منطقة رمادية: هم جزء من اللغة الفرنسية، لكنهم ليسوا جزءًا كاملًا من سرديتها المركزية. في هذا السياق، يمكن فهم تصريح خضرة كنوع من إعادة تموضع رمزي: تأكيد على جزائريته أولًا، وتذكير للفضاء الثقافي الفرنسي بأنه ليس مجرد كاتب “فرنكوفوني” عابر، بل صاحب مشروع أدبي متجذر في تجربة وطنية وتاريخية معقدة.
الصدفة الملتصقة بالجزائر وسام فخر لمولسهول
المفارقة أن خضرة يتمتع بقاعدة قراء واسعة في أوروبا وأمريكا اللاتينية، كما تُدرّس بعض أعماله في جامعات أجنبية، ما يجعل مسألة “التهميش” نسبية. غير أن الاعتراف الرمزي داخل المركز الثقافي الفرنسي يبقى، بالنسبة لكثير من الكتّاب الفرنكوفونيين، علامة على اكتمال المسار.
يبقى السؤال الأهم: هل يحتاج الكاتب إلى اعتراف مؤسساتي ليكرّس مكانته، أم أن قيمة العمل الأدبي تُقاس بقدرته على الصمود في وجدان القراء؟ في حالة ياسمينة خضرة، يبدو أن الجدل نفسه دليل على حضوره؛ فالأدب الذي يثير الأسئلة حول الهوية والاعتراف يظل أدبًا حيًا، حتى وإن اختلفت حوله التقديرات.
في النهاية، قد تكون “الصدفة الملتصقة بالجزائر” صورة بلاغية تختصر مسارًا كاملًا: كاتبٌ اختار لغة الآخر، لكنه لم يتخلَّ عن ذاكرة المكان، ولا عن رغبته في أن يُعترف به من ضفتي المتوسط معًا.