في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، لم تعد الترجمة الصحفية مجرّد نشاط لغوي تقني، بل تحوّلت إلى أداة استراتيجية ضمن ما يُعرف بالدبلوماسية الموازية أو القوة الناعمة. فترجمة المقالات من اللغة العربية إلى اللغة الإنجليزية، لا سيما في القضايا الجيوسياسية، أضحت ضرورة معرفية واتصالية لتمكين الدول من عرض رؤاها وتفسير مواقفها وإسماع صوتها في الفضاء الدولي الذي تهيمن عليه اللغة الإنجليزية بوصفها لغة التواصل الأكاديمي والإعلامي العالمي.
في هذا السياق، تبرز أهمية المبادرات الإعلامية الوطنية التي تدرك أن معركة السرديات لا تقلّ وزنًا عن المعارك السياسية أو الاقتصادية. إذ إن غياب الصوت المحلي عن المنصات الدولية يفتح المجال أمام قراءات خارجية قد تكون مجتزأة أو منحازة، وهو ما يجعل الترجمة الدقيقة والرصينة وسيلة لتصحيح التصورات وتقديم رواية تستند إلى معطيات تاريخية وقانونية موثقة.
انطلاقًا من هذا الوعي، تعكف جريدة “المقال” على ترجمة مقالاتها ذات الطابع التحليلي والجيوسياسي إلى اللغة الإنجليزية، بهدف توسيع دائرة انتشارها خارج المجال اللغوي العربي. ويأتي هذا التوجه في إطار سعيها إلى الإسهام في إيصال صوت الجزائر وتوجهها الداعم للقضايا العادلة، سواء تعلق الأمر بالقضايا الإقليمية أو الدولية، مع التأكيد على ثوابت السياسة الجزائرية القائمة على احترام السيادة الوطنية، ورفض التدخلات الخارجية، ومناصرة حق الشعوب في تقرير مصيرها.
كما تندرج هذه المبادرة ضمن مسار دفاعي–معرفي يهدف إلى صون الذاكرة التاريخية وتعزيز السردية الوطنية في مواجهة محاولات التشويه أو الانتقاص. فالتاريخ، حين يُترك دون عرض علمي رصين، قد يصبح عرضة لإعادة التأويل أو التوظيف السياسي. ومن هنا، تسعى جريدتنا المقال إلى تقديم محتوى موثق ومتزن، يعكس رؤية تحليلية قائمة على منهجية أكاديمية، بعيدًا عن الخطاب الانفعالي أو الشعبوي.
وعليه، فإن مشروع الترجمة الذي تتبناه “المقال” لا يقتصر على نقل النصوص من لغة إلى أخرى، بل يتجاوز ذلك إلى بناء جسر تواصلي بين الفضاء الإعلامي الوطني والساحة الدولية. إنه استثمار في الكلمة بوصفها أداة تأثير، وفي المعرفة بوصفها ركيزة للشرعية، وفي الإعلام بوصفه فاعلًا أساسيًا في تشكيل الرأي العام العالمي.
بهذا المعنى، تمثل تجربة “المقال” نموذجًا لصحافة تدرك أن حضورها في المجال الدولي لا يتحقق فقط عبر نقل الخبر، بل عبر صناعة خطاب تحليلي قادر على التفاعل مع السياقات العالمية بلغة يفهمها العالم، ويحترم من خلالها خصوصية الهوية الوطنية وثوابتها التاريخية.