تشهد الساحة الفرنسية في السنوات الأخيرة تصاعدًا لافتًا في الأصوات الأكاديمية والسياسية التي تعيد فتح ملف الاستعمار الفرنسي للجزائر، في مقاربة أكثر جرأة مقارنة بالمراحل السابقة. عدد من المؤرخين والباحثين الفرنسيين، من بينهم المؤرخ المتخصص في حرب الجزائر Benjamin Stora، أقرّوا بوقوع انتهاكات جسيمة خلال الحقبة الاستعمارية، شملت القتل الجماعي، سياسات التجويع، القمع المنهجي، إضافة إلى ممارسات عسكرية مثيرة للجدل.
وقد وثّق مؤرخون آخرون مثل Olivier Le Cour Grandmaison استخدام أساليب قمعية عنيفة، بما في ذلك اللجوء إلى وسائل عسكرية محظورة أخلاقيًا. كما أثارت التجارب النووية التي أجرتها فرنسا في الصحراء الجزائرية خلال ستينيات القرن الماضي جدلًا واسعًا، خصوصًا في منطقتي رقان و عين إيكر، حيث لا تزال آثارها الصحية والبيئية محل نقاش قانوني وأخلاقي.
ورغم هذه الاعترافات المتزايدة داخل الأوساط البحثية الفرنسية، يبقى الموقف السياسي الرسمي أكثر تحفظًا. الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اعترف في أكثر من مناسبة بوجود “جرائم” خلال الاستعمار، إلا أنه لم يقدم اعتذارًا رسميًا باسم الدولة الفرنسية، مفضلًا مقاربة تقوم على “المصالحة الذاكرية” بدل الاعتذار القانوني الصريح، وهو ما يثير انتقادات داخل الجزائر وخارجها.
في المقابل، لا ينفصل الجدل التاريخي عن السياق الجيوسياسي الراهن. فعدد من الخبراء الاقتصاديين الفرنسيين يشيرون إلى تراجع النفوذ الفرنسي في الجزائر خلال العقد الأخير، مقابل صعود شركاء جدد، على غرار روسيا و الصين، اللتين عززتا حضورهما في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والتسليح. كما أن إيطاليا استطاعت، عبر شراكات اقتصادية نشطة، أن توسّع من حصتها في السوق الجزائرية، خصوصًا في مجال الغاز.
فرنسا باتت في وضعية تنافسية صعبة في الجزائر
وفي هذا السياق، صدرت تصريحات عن شخصيات سياسية فرنسية، من بينها مستشارون سابقون للرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، اعتبرت أن فرنسا باتت في وضعية تنافسية صعبة في الجزائر، وأن تراجع حضورها ليس فقط نتيجة خيارات اقتصادية، بل أيضًا بسبب إدارة سياسية غير متوازنة لملف الذاكرة والعلاقات الثنائية.
اللافت أن بعض التحليلات الفرنسية بدأت تتحدث عن امتلاك الجزائر لأدوات ضغط استراتيجية، سواء عبر موقعها الجيوسياسي في المتوسط والساحل الإفريقي، أو عبر مواردها الطاقوية، أو من خلال تنويع شراكاتها الدولية. وهو ما يعكس تحوّلًا في موازين العلاقة، من منطق الهيمنة التاريخية إلى منطق الندية والتوازن.
في المحصلة، يبدو أن العلاقة الجزائرية-الفرنسية تقف اليوم عند مفترق طرق: بين ضرورة معالجة الماضي الاستعماري بوضوح وشجاعة سياسية، وبين إعادة صياغة شراكة اقتصادية واستراتيجية تقوم على الاحترام المتبادل. فملف الذاكرة لم يعد شأنًا رمزيًا فقط، بل أصبح عنصرًا مؤثرًا في حسابات النفوذ والمصالح في ضفتي المتوسط.