يشهد النظام الدولي في المرحلة الراهنة توتراً متصاعداً على خلفية التهديدات الأمريكية المتكررة تجاه إيران، في سياق اتهامات تتعلق بدورها الإقليمي وبرنامجها النووي وأنشطتها العسكرية غير المباشرة. وبين خطاب الردع المتبادل والتصعيد الإعلامي، يظل السؤال الجوهري مطروحاً: هل يتجه المشهد نحو مواجهة عسكرية مباشرة، أم أن ما يجري يدخل ضمن لعبة التوازنات الدقيقة التي تحكم العلاقات بين القوى الكبرى؟
سياق الاتهامات ومنطق القوة
تتهم الولايات المتحدة إيران بزعزعة الاستقرار الإقليمي عبر دعم فاعلين غير دولتيين في عدد من بؤر التوتر بالشرق الأوسط. غير أن الخطاب المقابل يثير إشكالية المعايير المزدوجة، خاصة في ظل التجارب السابقة للتدخلات العسكرية الأمريكية في كل من العراق وأفغانستان، وما ترتب عنها من تحولات سياسية وأمنية عميقة لا تزال تداعياتها قائمة. كما يُستحضر الوضع الإنساني المعقد في اليمن باعتباره مثالاً على هشاشة النظام الإقليمي وتداخل الأدوار الخارجية فيه.
هذا التراشق في الاتهامات يعكس صراعاً أعمق حول تعريف الشرعية الدولية، وحدود النفوذ، ومن يمتلك حق رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط.
البعد الدولي وصعود المحور المقابل
لا يمكن قراءة التصعيد الأمريكي–الإيراني بمعزل عن التحولات البنيوية في بنية النظام الدولي. فإلى جانب إيران، برز دعم سياسي وعسكري من قبل روسيا، إضافة إلى تموضع استراتيجي حذر من الصين، التي تنظر إلى المنطقة باعتبارها شرياناً حيوياً لمبادراتها الاقتصادية الكبرى وأمنها الطاقوي.
هذا التلاقي في المصالح لا يعني بالضرورة تحالفاً عسكرياً مباشراً، لكنه يعكس إرادة مشتركة في كبح الهيمنة الأمريكية الأحادية التي تشكلت بعد نهاية الحرب الباردة. ومن ثم، فإن أي مواجهة عسكرية محتملة لن تكون مجرد نزاع ثنائي، بل اختباراً لقدرة النظام الدولي على التحول نحو صيغة تعددية أو ثنائية قطبية جديدة.
احتمالات إعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية
في حال اندلاع مواجهة واسعة، فإن تداعياتها لن تقتصر على الإقليم، بل قد تمتد إلى إعادة صياغة موازين القوى العالمية. ويستحضر بعض المحللين في هذا السياق اتفاقية سايكس بيكو بوصفها نموذجاً تاريخياً لإعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة عقب الحروب الكبرى. غير أن السياق الدولي الحالي أكثر تعقيداً، نظراً لتداخل المصالح الاقتصادية العالمية وتشابك التحالفات العسكرية.
كما أن مصير إسرائيل يظل عنصراً محورياً في أي سيناريو تصعيد، بحكم موقعها الاستراتيجي وتحالفها الوثيق مع الولايات المتحدة، إضافة إلى إدراكها لحساسية التوازنات الأمنية المحيطة بها.
بين الردع والحرب الشاملة
رغم حدة الخطاب السياسي، تبقى فرضية الحرب الشاملة رهينة حسابات الردع المتبادل. فتكلفة المواجهة المباشرة بين قوى تمتلك قدرات عسكرية متطورة، وبعضها نووي، تجعل خيار الحرب محفوفاً بمخاطر الانزلاق نحو صراع أوسع قد يتجاوز الإطار الإقليمي.
وعليه، فإن ما يجري يمكن قراءته في إطار “سياسة حافة الهاوية”، حيث يُستخدم التصعيد كأداة ضغط تفاوضي أكثر منه تمهيداً حتمياً للحرب. غير أن هشاشة البيئة الإقليمية، وكثرة الفاعلين غير الدولتيين، واحتمال سوء التقدير الاستراتيجي، تبقي سيناريو الانفجار قائماً.
لذا فإن التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران يعكس تحولات عميقة في بنية النظام الدولي، بين استمرار الهيمنة الأمريكية ومحاولات إعادة تشكيل التوازنات عبر صعود قوى منافسة. وبين منطق القوة ومنطق الردع، يبقى مستقبل المنطقة مفتوحاً على عدة احتمالات، تتراوح بين تسوية تفاوضية تعيد ترتيب قواعد الاشتباك، أو تصعيد قد يعيد رسم الخريطة الجيوسياسية للشرق الأوسط، وربما يسرّع الانتقال نحو نظام دولي متعدد الأقطاب.
في جميع الأحوال، تظل هذه السيناريوهات ضمن نطاق الاستشراف الجيوسياسي، القابل للتبدل وفق تطورات الميدان وحسابات الفاعلين الدوليين.