ما قل ودل

الغرب يتخفى وراء خطاب الرسالة الحضارية…من تبرير الاستعمار إلى شرعنة الهيمنة

شارك المقال

على هامش الدورة الثانية والستين من محاضرة حول الأمن بمدينة ميونيخ الألمانية، صدرت مواقف لعدد من المسؤولين الأمريكيين أعادت إلى الواجهة مفرداتٍ ارتبطت تاريخيًا بخطاب “الرسالة الحضارية” الذي رافق التوسّع الاستعماري الغربي. فقد نُسب إلى ماركو روبيو حديثٌ عن “منافع” خمسة قرون من التمدّد الاستعماري والدعوة إلى تجاوز “الشعور بالذنب والعار”، بينما استحضر مايك هوكابي أطروحات دينية لتبرير سياسات التوسّع الإقليمي في الشرق الأوسط.
تندرج هذه التصريحات—بصرف النظر عن الجدل حول دقّتها أو سياقاتها—ضمن مناخ أوسع يشهد إعادة تدوير سرديات إمبراطورية في بعض الدوائر الغربية، في ظل ما يُسمّى بـ“أثر ترامب”، نسبةً إلى دونالد ترامب، وما صاحبه من صعود نزعات قومية محافظة تُعيد تعريف موقع الغرب في العالم.

 من “الرسالة الحضارية” إلى تبرير الهيمنة

تاريخيًا، شكّلت “الرسالة الحضارية” أحد الأطر النظرية والأخلاقية التي برّرت الاستعمار الأوروبي منذ القرن التاسع عشر، عبر الادعاء بنقل التقدّم والعقلانية والحداثة إلى “الأطراف”. غير أن الدراسات ما بعد الكولونيالية بيّنت أن هذه السردية أخفت منظوماتٍ من الاستغلال الاقتصادي، وإعادة هندسة البنى الاجتماعية، وممارسات عنفٍ ممنهج.
إن عودة مفردات الامتنان للإرث الاستعماري أو الدعوة إلى “التحرّر من عقدة الذنب” تُفهم، في هذا السياق، باعتبارها محاولة لإعادة تأطير الذاكرة الجماعية: من ذاكرة نقدية تعترف بالضحايا إلى ذاكرة انتقائية تُركّز على “المنجزات” وتُهمل كلفة السيطرة.

التدين السياسي ومشروعية التوسّع

استدعاء المرجعيات الدينية لتبرير سياسات توسّعية —كما في الحديث عن “حقّ توراتي” في أرضٍ متنازع عليها— يمثّل انتقالًا من خطاب الواقعية السياسية إلى خطاب الشرعية الميتافيزيقية. هذا التحوّل يُعقّد مسارات التسوية، لأنه ينقل النزاع من حيّز القانون الدولي إلى حيّز التأويل العقدي.
في حالة الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، يهدّد هذا المنحى بتقويض الأطر التفاوضية التي تستند إلى قرارات الشرعية الدولية، ويمنح دفعًا لخطابات الهوية الصلبة على حساب الحلول التوافقية.

و لا يمكن قراءة هذه التحوّلات بمعزل عن سياق أوروبي يشهد بدوره تجاذبات حول الذاكرة الاستعمارية. ففي حين تتبنّى مؤسسات أكاديمية وحقوقية مقاربات نقدية تُطالب بالاعتراف والاعتذار وجبر الضرر، تُظهر تيارات سياسية يمينية حنينًا إلى “عصر القوة” وتدعو إلى إعادة الاعتبار للسيادة القومية بمعناها الصارم.
هذا الانقسام يعكس صراعًا على تعريف الهوية الغربية المعاصرة: هل تقوم على قيم ما بعد الحرب العالمية الثانية (التعدّدية، القانون الدولي، حقوق الإنسان)، أم على استعادة سردية التفوّق الحضاري؟

بدل الإعتذار الغرب يحن لإرثه الاستعماري

تكتسب هذه السرديات أهميتها العملية عند النظر إلى قضايا مثل فلسطين والصحراء الغربية، حيث تلعب الولايات المتحدة دورًا محوريًا في هندسة مسارات التفاوض. فإذا تغلّبت مقاربات تُقلّل من شأن الإرث الاستعماري أو تُعيد شرعنته رمزيًا، فإن ذلك قد ينعكس على تصوّرات العدالة التاريخية وحقوق الشعوب في تقرير المصير.
بمعنى آخر، إن إعادة الاعتبار لخطاب الهيمنة — على المستوى الرمزي— تؤثّر في مناخ الوساطة الدولية، وقد تُضعف الثقة في حياد الراعي أو في مرجعية القانون الدولي.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram