في قرى دائرة عين عباسة بولاية سطيف، لا تزال الذاكرة الشعبية تحتفظ باسم عمار لغماره، الشاب اليتيم الذي وجد نفسه، وهو في العشرين من عمره، وسط أتون حرب لا ناقة له فيها ولا جمل. جُنّد قسرًا إبّان الحرب العالمية الأولى، ضمن آلاف الجزائريين الذين سيقوا إلى جبهات القتال الأوروبية تحت راية الاستعمار الفرنسي، تطبيقًا لقانون التجنيد الإجباري.
نُقل عمار إلى جبهة معركة فردان، تلك المعركة التي صارت رمزًا لما عُرف بـ”حرب الخنادق”، حيث كان الموت يُوزَّع بالجملة، والإنسان يُختزل في رقم. هناك، بين الطين والبرد والقذائف، أدرك عمار أن الحرب لا تعنيه، وأنه يقاتل دفاعًا عن سلطة اغتصبت أرضه.
وحين صدر الأمر بالخروج من الخندق نحو هجوم شبه انتحاري، تمرد عمار وقال عبارته التي بقيت تتردد في الروايات الشفوية:
“لن أموت في حرب لا تعنيني.”
اعتُبر موقفه عصيانًا عسكريًا في زمن الحرب، فأمر الضابط بإعدامه ميدانيًا، غير أن القيادة ارتأت تقديمه إلى محكمة عسكرية، خشية أن تتحول قصته إلى شرارة تمرد في صفوف المجندين الآخرين.
أمام القاضي، وُجهت إليه تهمة الخيانة. فجاء ردّه حاسمًا:
“خنتُ من؟ أنا لم أعترف بكم يومًا. جُنِّدتُ مجبرًا لأخدم إدارة استعمارية اغتصبت أرضي. أعدموني فلا أبالي، ولكن كعدو.”
كان الرد صادمًا. لم يكن عمار يطلب النجاة، بل كان يطلب الاعتراف بصفته الحقيقية: ليس خائنًا، بل مقاومًا رافضًا للقتال تحت راية غير رايته.
غير أن الحكم لم يكن الإعدام. فقد رأت المحكمة أن الموت قد يحوّله إلى رمز. فصدر قرار بنفيه إلى ما كان يُعرف آنذاك بـ“سجن كيان” في غويانا الفرنسية، وهو أحد أكثر المعتقلات قسوة في الإمبراطورية الاستعمارية، حيث أُرسل العديد من المعارضين والمنفيين إلى مصير مجهول في أدغال بعيدة.
في عين عباسة، كانت أخته عائشة تنتظر عودته. بكت حتى قيل إنها فقدت بصرها من كثرة الدموع، وتحولت مأساتها إلى قصيدة شعبية توارثتها الأجيال، تُستحضر كلما ذُكر اسم عمار:
عمار يا عمار يا الغالي
بكاتك عينيا بالدموع ليالي
خوي ظلموك في المشينة ركبوك
وبالسلاسل ربطوك وكيان بعثوك
عمار نبكيك والله نشكيك
في بلادي حقروك يا القاضي ربي يهديك
يا ربي العزيز تولّى خوي
أنت القدير ما تخفاك خافية
هكذا بقيت الحكاية حيّة، لا في كتب التاريخ الرسمية، بل في الذاكرة الشعبية. قصة شاب رفض أن يكون وقودًا لحرب استعمارية، فدفع ثمن موقفه نفيًا وعزلة.
إنها ليست مجرد قصة فرد، بل مرآة لمرحلة كاملة جُنّد فيها الجزائريون قسرًا في صراعات لم تكن معاركهم، لكنها صارت جزءًا من ذاكرتهم الوطنية، ومن سردية مقاومة لم تتوقف حتى استعادت البلاد سيادتها.