ما قل ودل

من الانقسام إلى إعادة التموضع…أين يقف العرب في النظام الدولي الجديد؟

شارك المقال

تعيش المنطقة العربية مرحلة شديدة الاضطراب تتقاطع فيها التحولات الدولية مع أزمات داخلية مزمنة. في خضمّ ذلك، تتكاثر المقارنات التاريخية التي تستحضر “ملوك الطوائف” بوصفها استعارة لحال الانقسام والتنافس البيني، في مقابل صعود فاعلين دوليين وإقليميين يعيدون تشكيل خرائط النفوذ. غير أن المقاربة الأكاديمية تقتضي تفكيك المشهد ضمن سياقه البنيوي: طبيعة النظام الدولي، أنماط الاعتماد الأمني، بنية الدولة الوطنية، وحدود الفعل الجماعي العربي.

 التحوّل في بنية النظام الدولي وتداعياته الإقليمية

منذ نهاية الحرب الباردة، تشكّل نظام دولي تميل فيه الكفة إلى قوة كبرى واحدة، قبل أن يتجه تدريجيًا نحو تعددية قطبية مرنة. في هذا السياق، لعبت الولايات المتحدة دور الضامن الأمني لعدد من الدول الخليجية، مقابل شراكات اقتصادية وتسليحية واسعة. الزيارات الرئاسية المتعاقبة – ومن بينها جولات دونالد ترامب السابقة إلى الخليج – عكست نمطًا من “المقايضة الاستراتيجية”: أمن مقابل استثمارات وصفقات.

هذا النمط لا يمكن فهمه بمعزل عن هواجس الأمن الإقليمي، خصوصًا في ظل صعود قوى غير عربية فاعلة مثل إيران، وتكريس إسرائيل كقوة عسكرية متفوقة. النتيجة هي بيئة أمنية تقوم على توازن ردع هش، تتخلله حروب بالوكالة واستقطابات حادة.

 الانقسام العربي…مدخل لإعادة رسم موازين القوى

تعاني عدة دول عربية من أزمات سيادة وضعف مؤسساتي، ما فتح المجال لتدويل الصراعات. في السودان واليمن والصومال، تتداخل العوامل الداخلية (تنازع الشرعية، هشاشة الاقتصاد، الانقسامات القبلية/السياسية) مع تدخلات إقليمية ودولية. هذا التداخل يحدّ من قدرة المنظومة العربية على إنتاج موقف جماعي فاعل.

إن استدعاء تجربة العراق بعد 2003، وما أعقبها من إعدام رئيسه السابق صدام حسين، أو ما حدث في ليبيا من خلال تصفية الفرنسيين للعقيد الراحل معمر القذافي، يعبّر عن ذاكرة سياسية ترى في تفكك الدولة مدخلًا لإعادة رسم موازين القوى. غير أن التحليل الأكاديمي يميّز بين مسؤولية البنية الداخلية للدولة، وديناميات التدخل الخارجي، دون اختزال المشهد في عامل واحد.

 إيران و إسرائيل…إشكالية “ازدواجية المعايير”

يشكّل البرنامج النووي الإيراني محور توتر مستمر. ترى قوى غربية وإقليمية أن امتلاك طهران قدرة نووية عسكرية سيغيّر ميزان القوى جذريًا، فيما تؤكد إيران أن برنامجها ذو طابع سلمي. في المقابل، تُعدّ إسرائيل – وفق تقديرات دولية – قوة نووية غير مُعلنة، ما يطرح إشكالية “ازدواجية المعايير” في الوعي العربي.

السيناريوهات المحتملة تتراوح بين:

  1. احتواء دبلوماسي عبر إحياء اتفاقات رقابية.

  2. مواجهة محدودة بضربات محسوبة تستهدف بنى عسكرية دون الانزلاق إلى حرب شاملة.

  3. حرب إقليمية واسعة تتورط فيها قوى غير مباشرة عبر ساحات مثل الخليج وبلاد الشام.

غير أن الكلفة الاقتصادية والأمنية لمثل هذه الحرب، في ظل ارتباط المنطقة بأسواق الطاقة العالمية، تجعل خيار الاحتواء هو الأكثر ترجيحًا لدى العديد من مراكز التفكير.

 مشاكل العرب تستلزم تعاونًا لا صراعًا

تُظهر تجارب العقود الماضية محدودية فاعلية الأطر الإقليمية في إدارة النزاعات البينية. فالتنافس على النفوذ، وتباين الرؤى تجاه قضايا مثل العلاقة مع إيران أو مسار التطبيع مع إسرائيل، يعيق بلورة استراتيجية موحدة.
المفارقة أن التحديات العابرة للحدود – من الأمن الغذائي إلى أمن الطاقة والممرات البحرية – تستلزم تعاونًا لا صراعًا.

لذا فإن توصيف اللحظة الراهنة باعتبارها تكرارًا لمرحلة تاريخية من الانقسام يحمل بُعدًا رمزيًا مفهومًا، لكنه لا يغني عن تحليل بنيوي يستند إلى معطيات القوة والمصلحة. المنطقة تقف أمام اختبار استراتيجي: إما إعادة إنتاج دوامة الصراع، أو الانتقال إلى صيغة توازنات عقلانية تُحصّن السيادة وتقلّل كلفة الارتهان الخارجي. بين هذين الخيارين سيتحدد شكل الشرق الأوسط في العقد القادم.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram