ما قل ودل

لم ينسوا ما فعله نبوخذ نصر بأسلافهم…إسرائيل تبحث عن ثأر تاريخي

لوحة للنبي دانييل الذي بسببه أطلق سراح اليهود من بابل

شارك المقال

تتداول بعض الخطابات السياسية والإعلامية رواية مفادها أن الصراع بين إسرائيل وإيران يمتد بجذوره إلى الحقبة البابلية، حين قام الملك البابلي نبوخذ نصر الثاني بسبي اليهود من القدس في القرن السادس قبل الميلاد، وأن هذا الحدث أسّس لـ”ثأر تاريخي” ما يزال يلقي بظلاله على التوتر الحالي. غير أن هذه السردية، رغم جاذبيتها الرمزية، تحتاج إلى تفكيك تاريخي ومنهجي يميّز بين الوقائع القديمة وإسقاطاتها السياسية الراهنة.

 السبي البابلي في سياقه التاريخي

عام 586 قبل الميلاد تقريباً، دمّر نبوخذ نصر الثاني مدينة القدس وسبى جزءاً من سكانها إلى بابل، وهو الحدث المعروف في الدراسات التوراتية والتاريخية باسم “السبي البابلي”. شكّل هذا الحدث منعطفاً محورياً في تطور الهوية الدينية اليهودية، إذ أُعيدت صياغة كثير من المفاهيم اللاهوتية خلال فترة المنفى.

بعد نحو نصف قرن، سقطت بابل على يد الملك الفارسي قورش الكبير، مؤسس الإمبراطورية الأخمينية. وقد سمح قورش لليهود بالعودة إلى القدس وإعادة بناء الهيكل، وهي سياسة اعتُبرت في النصوص اليهودية تعبيراً عن تسامح ديني وإداري مميز في ذلك العصر.

 هل تمثل بابل القديمة إيران الحديثة؟

أحد أهم الإشكالات المنهجية في أطروحة “الثأر التاريخي” هو الخلط بين الكيانات السياسية القديمة والدول القومية الحديثة.

  • بابل كانت مركزها في بلاد الرافدين (العراق حالياً).

  • الإمبراطورية الأخمينية الفارسية نشأت في إيران الحالية.

بالتالي، لا يمكن تاريخياً اعتبار بابل امتداداً لإيران المعاصرة، بل إن الفرس هم من أنهوا الحكم البابلي. ومن منظور علم التاريخ السياسي، لا يوجد خط استمرارية مباشر يربط دولة قومية حديثة بدولة إمبراطورية قديمة من حيث البنية والهوية السياسية, لكن يبدو أن اإسرائيليين اختلط عليهم الأمر عمدا فهم يتعلقون بهذه القشة من أجل شرعنة الاعتداء على إيران.

 توظيف التاريخ في الصراعات المعاصرة

من منظور دراسات العلاقات الدولية، تلعب الذاكرة التاريخية دوراً مهماً في تشكيل الهويات السياسية، لكن مع ذلك يظل الصراع بين إسرائيل وإيران اليوم يرتبط بعوامل حديثة، أبرزها:

  1. التنافس الإقليمي على النفوذ في الشرق الأوسط.

  2. الموقف الإيراني من القضية الفلسطينية.

  3. الاعتبارات الأمنية المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني.

  4. التحالفات الدولية المتعارضة.

وهذه العوامل تنتمي إلى سياق ما بعد الحرب الباردة وإعادة تشكيل النظام الإقليمي بالدرجة الأولى.

 الأسطورة السياسية مقابل التحليل العلمي

في علم الاجتماع السياسي، تُستخدم الأساطير المؤسسة أحياناً لتعزيز الهوية الوطنية أو تعبئة الرأي العام. غير أن التحليل الأكاديمي يفصل بين:

  • الرمزية الدينية والتاريخية التي تشكّل الذاكرة الجماعية،

  • والقرارات الاستراتيجية المعاصرة التي تُبنى على حسابات القوة والمصلحة.

و رغم أن ربط الصراع الإسرائيلي–الإيراني المعاصر بأحداث تعود إلى أكثر من 2500 عام أصبح يمثل قراءة رمزية أكثر منه تحليلاً تاريخياً أو سياسياً دقيقاً. إلا أن رجال الدين اليهود لا يزالون يعتمدون على هذا السرد التاريخي من أجل التعبئة, فرغم أن السبي البابلي وسقوط بابل على يد قورش، وبين قيام دولة إسرائيل في القرن العشرين، مسافات زمنية وحضارية هائلة إلا أن المنطق “الثأر المتوارث” لن يموت في مخيال الإسرائيليين.

وعلى نطاق مغاير، فإن فهم التوتر الحالي يتطلب أيضا قراءة جيوسياسية معاصرة تركز على موازين القوى والتحالفات الإقليمية،و هو ما يتم الاستناد عليه من قبل السياسيين الإسرائيليين في الوقت الراهن.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram