
كتب الفيلسوف روايته “الرسائل الفلسفية” سنة 1721 وكانت تأسيسا فكريا وفلسفيا لكتابه العالمي “روح القوانين” الذي يدعو فيه الخروج من الأنطمة الاستبدادية بالقضاء على “الخوف”، وصنع قوانين تطبق على الجميع وليس قوانين تخدم القوي او يؤولها بشهية التسلط والتغلب على الآخرين.
تذكرت هذه الرواية وأنا أسمع منذ قليل إلى وزير الخارجية الأمريكية الذي يعتبر تغيير النظام الايراني من أجل أن يسعد الشعب الذي يموت أطفاله بفعل الضربات الأمريكية- الإسرائلية، وينتقدون الاستبداد لكنهم يمارسونه هم على الشعوب غير الغربية والضعيفة .
تدور الرواية حول صديقين فارسيين؛ أوزبك ورضا، يقرران مغادرة مدينتهما “أصفهان” في رحلة استكشافية طويلة نحو أوروبا. يستقران في باريس لمدة تسع سنوات (بين 1711 و1720). خلال هذه الفترة، يتبادلان الرسائل مع أصدقائهما، زوجاتهما، والخصيان (حراس الزوجات والجواري) في بلادهم.
من خلال “عين الغريب”، يوجه مونتيسكيو نقدًا لاذعًا للمجتمع الفرنسي، ويسخر من الملك لويس الرابع عشر، ويصفه بأنه “ساحر” يسيطر على عقول شعبه ويقنعهم بأن الورق مالا.وينتقد التشدد الديني، وصكوك الغفران، والتناقض بين الأقوال والأفعال لدى رجال الدين.
مونتسكيو من خلال الرواية يسخر من “الموضة” المتقلبة في باريس، ومن الغرور الأرستقراطي، ومن الفوضى التي تملأ المقاهي والشوارع. بينما ينشغل “أوزبك” بنقد باريس، والأوضاع في منزله بأصفهان تتدهور، و تبدأ زوجاته بالتمرد على الحراس (الخصيان).
هنا “ازدواجية أوزبك”؛ فهو يدعي العقلانية والتحرر في فرنسا، لكنه في رسائله لبيته يتصرف كمستبد دموي يأمر بالعقاب والقتل للحفاظ على “شرفه”.
تنتهي الرواية بتراجيديا حيث تعلن له زوجته “روكسان” أنها لم تحبه أبدًا، وأنها خانته مع عشيقها، وأنها تسممت لتموت.
يرى الغربيون الفرس (ايران) -طبعات والمجتمعات الشرقية- ككائنات غريبة أو “شهوانية”، بينما يرى الفرس (إيران)الغربيين كمجتمع متحلل أو فوضوي.
لا يزال الصراع يعاني من “الصورة النمطية”؛ الغرب يرى إيران من خلال منظار “الاستبداد الشرقي” القديم، وإيران ترى الغرب كـ “شيطان” يسعى لتدمير الهوية. الطرفان لا يزالان يتبادلان “الرسائل” المشوهة عن بعضهما. وفوق كل ذلك الصهيونية تسعى بكل ما أوتيت من أجل تحقيق نبوة ادعائهم في “إسرائيل الكبرى الموعودة”
طبعا “الرسائل الفارسية” تلخص مفهوم “الاستبداد الشرقي” الذي نحته مونتيسكيو وحوّله ماركس الى مفهوم “نمط الانتاج الآسيوي” ومازالت هذه التنويعات حاضرة اليوم بتسميات “الإرهاب الدولي” وغيرها.
و استحضارنا هنا لمونتيسكيو هو في نقده المزدوج للشرق “فارس” وللمَلَكِيّة في فرنسا، واليوم نحن أمام “الجمهورية الترامبية” التي ترى الحرب الحلّ، ووسيلته “صناعة الخوف” الذي هو عاطفة تنتشر في الأنظمة التي لا تتحكم فيها القوانين اي العدالة والحرية والعقل -حسب فلسفة مونتيسكيو -.