يُعدّ مفهوم “الطابور الخامس” من المفاهيم السياسية التي برزت بقوة في أدبيات الحروب الحديثة، ويشير إلى الفاعلين الداخليين الذين يعملون سرًا أو علنًا لصالح قوى خارجية، بما يؤدي إلى إضعاف الدولة من الداخل. ورغم أن الدولة تُحصَّن عادةً بمؤسساتها العسكرية والأمنية، إلا أن التاريخ يبيّن أن الاختراق الداخلي كان في أحيان كثيرة عاملاً حاسمًا في إرباك منظومات الحكم أو إطالة أمد الصراعات.
من الحرب التقليدية إلى حرب المعلومات
في السياق المعاصر، لم تعد الحروب تقتصر على المواجهة العسكرية المباشرة، بل أصبحت تعتمد بشكل كبير على المعلومات والاستخبارات والتأثير النفسي. وتؤكد دراسات الأمن الاستراتيجي أن تسريب المعلومات الحساسة، أو توظيف شبكات نفوذ داخلية، قد يحقق نتائج تعادل أو تفوق العمليات العسكرية التقليدية.
وفي حالات النزاعات الإقليمية، كثيرًا ما تُطرح فرضية وجود قنوات اختراق داخلية تفسر دقة الضربات أو استهداف شخصيات بعينها، كما يُناقش في التحليلات المرتبطة في الحرب بين إيران وإسرائيل.
الحالة الجزائرية خلال الحقبة الاستعمارية
خلال الاحتلال الفرنسي للجزائر (1830–1962)، برزت ظاهرة الجزائريين الذين ارتبطوا بالإدارة الاستعمارية، والذين عُرفوا في الخطاب الوطني باسم “الحركة”. ورغم أن الحركة الوطنية الجزائرية اعتبرت هذا السلوك خيانة، فإن بعض الدراسات التاريخية ترى أن الظاهرة كانت جزءًا من ديناميات استعمارية معقدة، أرادت فرنسا استغلالها لبث الفرقة و الانقسامات الداخلية لتعزيز سيطرتها و اقضاء بالتالي على الثورة المباركة في مهدها. ومع ذلك، فإن مسار التحرير بقيادة جبهة التحرير الوطني أظهر أن التفاف الأغلبية الشعبية حول مشروع الاستقلال كان عاملاً حاسمًا في استعادة السيادة.
تجربة الأمير عبد القادر وإشكالية التحالفات
في القرن التاسع عشر، واجه الأمير عبد القادر تحديات عسكرية وسياسية معقدة خلال مقاومته للقوات الفرنسية. لكن سكين الغدر جاءه من المغرب الذي ظنه لوهلة بأنه بلد حليف, حيث تشير المعطيات التاريخية أن ملك المغرب عوض تقديم يد العون لمقاومة الأمير عبد القادر التي كانت حتما سوف تجنب استحواذ فرنسا بعدها على المغرب راح يلعب على وتر تعرضه لضغوط عسكرية فرنسية ، وما ترتب عنها من معاهدة لالة مغنية (1845)، وفي النهاية، وجد الأمير نفسه معزولًا عسكريًا، ما اضطره إلى إمضاء معاهدة الإستسلام للسلطات الفرنسية سنة 1847، في إطار اتفاق تعهدت فيه فرنسا بنقله إلى المشرق، قبل أن يُحتجز في فرنسا لسنوات.
الإعلام الرقمي والمؤثرون في سياق الحروب الهجينة
في ظل التحول نحو ما يُعرف بـ”الحروب الهجينة”، أصبحت الفضاءات الرقمية ساحة مركزية للصراع، حيث تلعب شبكات التواصل الاجتماعي دورًا في تشكيل الرأي العام وتوجيهه. وتتناول أدبيات الأمن السيبراني مفهوم “التأثير غير المباشر” عبر فاعلين غير رسميين، من بينهم بعض صانعي المحتوى أو المؤثرين الذين يقدّمون أنفسهم في صورة نُصحاء أو محللين مستقلين.
وتشير تقارير بحثية في مجال الاتصال السياسي إلى أن بعض الدول توظف أدوات التأثير الرقمي — سواء عبر منصات إعلامية، أو حسابات موجهة، أو شبكات علاقات عامة — بغرض التأثير في النقاشات الداخلية لدول أخرى.