يرى الفيلسوف الروسي ألكسندر دوغين أن الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي على إيران لا يمثل مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل لحظة فاصلة تعلن نهاية مرحلة وبداية أخرى تُحكم فيها العلاقات الدولية بمنطق القوة المجردة لا بمنطق القواعد والمؤسسات. فبرأيه، ما جرى يعكس انتقالًا من نظام يستند – ولو شكليًا – إلى الشرعية الدولية، إلى نظام تُحسم فيه الصراعات بمن يضرب أولًا وبمن يمتلك القدرة على فرض إرادته.
هذا الطرح يربط بين الضربات على إيران وسوابق أخرى، معتبرًا أن استهداف دولة ذات سيادة كانت منخرطة في مسارات تفاوضية يفتح الباب أمام سابقة خطيرة: إذا نجح هذا النموذج، فقد يتحول إلى أداة متكررة لإعادة تشكيل الخريطة السياسية عبر إزاحة القيادات بالقوة وفرض وقائع جديدة على الأرض.
ويذهب دوغين إلى أن مستقبل التوازن الدولي سيتحدد بمدى قدرة إيران على الصمود. فإذا واصلت المقاومة تحت قيادة جديدة، فقد يتوسع منطق المواجهة ويشجع قوى إقليمية أخرى على تبني السلوك ذاته، ما يرفع احتمالات الفوضى وحتى الانزلاق نحو مواجهات أوسع. أما إذا انهارت سريعًا، فقد يُقرأ ذلك كإشارة إلى إمكانية تكرار السيناريو في ساحات أخرى.
في خلفية هذا التحليل تكمن رؤية أوسع تعتبر أن الليبرالية السياسية، بصيغتها التي سادت بعد الحرب الباردة، فقدت مركزيتها، وأن العالم يتجه نحو صراع حضاري مفتوح تُعاد فيه صياغة التحالفات والهويات. غير أن هذا التصور، رغم حدّته، يعكس أيضًا حجم القلق من مرحلة انتقالية تتسم بغياب اليقين وتآكل الثقة في المؤسسات الدولية.
يبقى السؤال الأهم: هل نحن فعلًا أمام انهيار شامل للقانون الدولي، أم أمام مرحلة إعادة توازن قاسية تعيد تعريفه وفق موازين قوة جديدة؟ الإجابة ستتوقف على سلوك القوى الكبرى، وعلى قدرة الفاعلين الإقليميين على إدارة أزماتهم دون تحويلها إلى مواجهات كبرى تهدد الاستقرار العالمي.