ما قل ودل

الانتاج التلفزيوني الرمضاني في الجزائر…بين نوستالجيا الكوميديا وعودة السرد التاريخي

شارك المقال

يشهد المشهد التلفزيوني الجزائري خلال شهر رمضان جدلا واسعا في أوساط الجمهور، حيث يتجدد كل عام النقاش حول جودة الأعمال المعروضة بعد الإفطار، ومدى قدرتها على تلبية الأذواق الفنية والثقافية للمشاهد. ويبدو أن الحنين إلى أعمال سابقة مثل أعصاب وأوتار و سلسلة بلا حدود و مسلسل المصير و الوصية لم يعد مجرد استرجاع عاطفي للماضي، بل تحوّل إلى مؤشر نقدي يعكس فجوة واضحة بين الإنتاج الحالي وذاكرة الجمهور التلفزيونية خلال شهر رمضان.

 أزمة الكوميديا بين النص والإخراج

تميّزت الأعمال الكوميدية في فترة سابقة ببنية نصية محكمة، قائمة على مفارقات اجتماعية مستمدة من الواقع الجزائري، مع معالجة ساخرة غير مبتذلة. غير أن الإنتاجات الحديثة تعاني، وفق آراء شريحة واسعة من المتابعين، من عدة اختلالات بنيوية، أبرزها:

  • ضعف البناء الدرامي للحلقات وتكرار النمط السردي.

  • تراجع جودة الإخراج من حيث الإيقاع البصري والتوظيف التقني.

  • مشكلات تقنية تتعلق بالصوت والصورة، تؤثر في نفسية المتلقي.

  • غلبة الارتجال على حساب الكتابة المحكمة.

هذه العوامل مجتمعة أفرغت العديد من الأعمال الكوميدية من بعدها النقدي، وحوّلتها إلى مادة استهلاكية سريعة الزوال، بعيدة عن التأثير الثقافي و الكوميدي الذي ميّز تجارب سابقة.

البسودو-دراما وإعادة إنتاج الموضوعات المستهلكة

في مقابل تراجع الكوميديا، برزت موجة من المسلسلات ذات الطابع “الاجتماعي-الدرامي” التي تتناول موضوعات مثل تجارة المهلوسات، الثراء غير المشروع، والهجرة غير النظامية. ورغم أهمية هذه القضايا، فإن تكرارها السنوي بصيغ متشابهة أدى إلى حالة من الإشباع السلبي لدى الجمهور.

الإشكال هنا لا يكمن في الموضوع بحد ذاته، بل في طريقة المعالجة التي تفتقر أحيانًا إلى العمق السوسيولوجي والتحليل النفسي، فتتحول القصة إلى عرض مباشر للظاهرة دون تفكيك جذورها أو تقديم رؤية فنية متماسكة.

 عودة السرد التاريخي في مسلسل “فاطمة”

في هذا السياق، يبرز مسلسل فاطمة كاستثناء لافت ضمن الخريطة الرمضانية لهذا العام، بإخراج جعفر قاسم. ينتمي العمل إلى الدراما التاريخية التي تؤرخ لفترة مبكرة من الاحتلال الفرنسي للجزائر، مع التركيز على الحياة اليومية للعائلات الجزائرية آنذاك.

تكمن أهمية هذا العمل في عدة مستويات:

  1. البعد التوثيقي البصري: عناية واضحة بالأزياء التقليدية، والهندسة المعمارية، وفضاءات العيش، بما يعكس جهدًا بحثيًا في إعادة تشكيل البيئة التاريخية.

  2. استحضار الذاكرة الجماعية: إعادة الاعتبار لفترات مغيّبة نسبيًا في السرد الدرامي المحلي.

  3. المزاوجة بين الفن والتاريخ: توظيف اللوحات البصرية ذات الطابع الأندلسي في سياق سرد مقاومة الجزائريين للاستعمار.

بهذا المعنى، لا يقتصر المسلسل على كونه عملًا دراميًا، بل يندرج ضمن مشروع أوسع لاستعادة الوعي التاريخي عبر الوسيط التلفزيوني.

الأداء التلفزيوني الرمضاني بين الحنين والتجديد

إن الحنين إلى أعمال الماضي لا ينبغي فهمه بوصفه رفضًا مطلقًا للحاضر، بل تعبيرًا عن حاجة الجمهور إلى نصوص أكثر صدقًا، وإخراج أكثر احترافية، ورؤية فنية واضحة المعالم. فالجمهور الجزائري، كما أثبتت تجارب سابقة، يمتلك ذائقة نقدية قادرة على التمييز بين العمل المتقن والعمل المرتجل.

و يمكن القول إن الدراما الرمضانية في الجزائر تقف اليوم عند مفترق طرق: إما الاستمرار في إعادة إنتاج صيغ مستهلكة تفقد تدريجيًا ثقة المشاهد، أو الاستثمار في كتابة نوعية، وإخراج احترافي، واستلهام واعٍ للواقع. 
وفي هذا السياق، تمثل التجارب التاريخية الجادة، مثل “فاطمة”، مؤشرًا على إمكانية استعادة التوازن بين المتعة الفنية والعمق الثقافي، بما يعيد للشاشة الصغيرة دورها في تشكيل الوعي والذاكرة الجماعية.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram