ما قل ودل

هرماجيدون في الخطاب العسكري…عندما تتقاطع النبوءة مع الجيوسياسة

شارك المقال

في خضم التوتر المتصاعد بين واشنطن وطهران، أثارت تقارير إعلامية جدلًا واسعًا بعد حديث عن تصريحات منسوبة إلى قادة عسكريين أمريكيين تربط الحرب المحتملة ضد إيران بسياقات دينية ونبوءات مرتبطة بـ«هرماجيدون» وسفر الرؤيا. كما تزامن ذلك مع تصريحات لوزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث اعتبر فيها أن أنظمة “تتشبث بأوهام نبوءات” لا ينبغي أن تمتلك سلاحًا نوويًا في إشارة إلى معتقدات إيران الإسلامية.

بغضّ النظر عن دقة كل رواية وسياقها الكامل، فإن مجرد تداول هذا الخطاب يفتح بابًا تحليليًا مهمًا:
هل تتحول العقائد الدينية إلى عنصر في التعبئة السياسية والعسكرية؟ أم أننا أمام توظيف رمزي للغة الدينية في إطار صراع جيوسياسي تقليدي؟

الدين في الخطاب السياسي…بين الإيمان والتعبئة

التاريخ الأمريكي يحمل حضورًا واضحًا للخطاب الديني في المجال العام، خاصة داخل بعض التيارات الإنجيلية التي ترى في أحداث الشرق الأوسط امتدادات لرؤى توراتية حول “نهاية الأزمنة”. في هذا السياق، يُستحضر مفهوم “هرماجيدون” كرمز لمعركة كبرى فاصلة بين الخير والشر حسب اعتقادهم.

لكن المؤسسة العسكرية الأمريكية، من الناحية القانونية، ملزمة بمبدأ الفصل بين الدين والدولة. لذلك فإن أي خطاب رسمي يربط العمليات العسكرية بنبوءات دينية يثير جدلًا داخليًا واسعًا، خصوصًا داخل جيش يضم أفرادًا من معتقدات وخلفيات متنوعة.

التقارير التي تحدثت عن تلقي “مؤسسة الحرية الدينية في الجيش” عشرات أو مئات الشكاوى تعكس حساسية هذا التداخل بين العقيدة الشخصية والقرار العسكري المؤسسي.

الجيوسياسة قبل اللاهوت

التوتر بين الولايات المتحدة وإيران مرتبط بعوامل واضحة:

  • البرنامج النووي الإيراني.

  • أمن إسرائيل.

  • أمن الخليج ومضيق هرمز.

  • توازن القوى في الشرق الأوسط.

هذه عناصر صلبة في حسابات الأمن القومي، تتجاوز أي خطاب تعبوي, حتى عندما تُستخدم اللغة الدينية، فإنها غالبًا تخدم وظيفة سياسية: شحن القواعد الشعبية، تحفيز المعنويات، أو شيطنة الخصم.

خطورة تديين الصراع

المشكلة الحقيقية لا تكمن في وجود معتقدات دينية لدى الأطراف، فهذا أمر طبيعي في أي مجتمع، بل في تحويل الصراع السياسي إلى صراع مقدس.
عندما يصبح الخصم “تجسيدًا للشر المطلق”، تتقلص مساحات التفاوض، ويصبح التراجع أو التسوية أقرب إلى “خيانة عقائدية” بدل أن يكون قرارًا سياسيًا عقلانيًا.

التاريخ يُظهر أن الحروب المؤطرة دينيًا تكون أطول وأشد استقطابًا، لأنها تتجاوز المصالح المادية إلى الهويات الوجودية.

بين هرماجيدون والمهدي…صراع سرديات

اللافت في الخطاب المتداول أنه يضع “هرماجيدون” في مواجهة “المهدي المنتظر”، وكأننا أمام صدام لاهوتي كوني.
لكن الواقع الدولي أكثر تعقيدًا: الدول الكبرى تتحرك وفق مصالحها، وتحالفاتها مرنة، ومواقفها تتبدل تبعًا للكلفة والعائد.

الحديث عن “نهاية العالم” قد يخدم الإثارة الإعلامية، لكنه لا يختزل شبكة المصالح الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية التي تحكم القرار.

لذا سواء استُخدمت النبوءات المسيحية أو الإسلامية في الخطاب السياسي، فإن جوهر الصراع يبقى جيوسياسيًا بالدرجة الأولى.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram